الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
جدلية الانتماء بين التعصب الواضح والتعصب المقنع ( دريد بن الصمة ، ألبير كامو / روديارد كبلينغ)
آمنة تباني
2026 / 3 / 24الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تتجلى جدلية الانتماء في الوعي الإنساني بوصفها صراعا مريرا بين مقتضيات العقل (العدالة/الحق) ونوازع العاطفة (القبيلة/الأرض)، وهو ما يضعنا أمام مقاربة فلسفية شائكة عند استحضار قول دريد بن الصمة: "وما أنا إلا من غزية إن غوت غويت"، وقول ألبير كامو في سياق الثورة الجزائرية: "أؤمن بالعدالة، ولكنني سأدافع عن أمي قبل العدالة". إن دريد بن الصمة يمثل الفناء في الجماعة حيث يذوب الفرد في كيان القبيلة لدرجة التخلي عن الاستقلالية الأخلاقية، فغزيةالقبيلة هنا تمثل الوجود والعدم، والضلال معها آمن من الرشاد منفردا؛ وهذا يجسد الانتماء العضوي البدائي الذي يرى في الجماعة حقا مطلقا لا يقبل الجدل. في المقابل، يطرح كامو (أمي/فرنسا) كمرجعية عاطفية تتقدم على "العدالة" الكونية، وهو موقف ينم عن تمزق وجودي بين المبادئ الإنسانية التي نادى بها في فلسفته وبين الانتماء الوجداني للجذور، فإذا كان دريد قد استسلم لغواية الجماعة بدافع التضامن القبلي، فإن كامو قد انكفأ على الأم بدافع الخوف من فقدان الهوية، وكلاهما وقع في فخ التحيز البيولوجي الذي يضحي بالحقيقة والمظلومين في سبيل صلة الدم أو التربة. إن هذه المقاربة تكشف أن الانتماء حين يتجرد من الحس الأخلاقي يتحول إلى تعصب وجودي يحجب الرؤية الكونية، فبينما كان دريد يغوي مع قومه في رمال الصحراء، كان كامو يضيع بوصلة العدالة في أزقة الجزائر، ليؤكدا معا أن تغليب الانتماء الضيق على الحق الكلي هو سجن اختياري يجعل من الوطن أو القبيلة أو الطائفة أو المذهب جدارا يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، ويجعل التراث الإنساني المشترك ضحية لسكين الولاء الأعمى.
ولكن! تبقى هذه المكاشفة العارية التي ترفض التستر خلف أقنعة التبرير أشرف من موقف النفاق الاجتماعي والجبن المقنع الذي يمارس التعصب تحت ستار المبررات المختلفة، فهما لم يحاولا شيطنة الآخر أو تزوير الحقيقة لشرعنة مواقفهما، بل أقرا بوعي كامل بوقوع الخطأ فدريد بن الصمة لم يدع أن غزية على حق، بل قال: "إن غوت غويت "، معترفا بضلالها، وكامو لم ينكر قدسية العدالة، بل وضعها في كفة موازية لأمه واختار الانحياز العاطفي.
هذا التعصب الصريح يمثل ذروة المأزق الوجودي، حيث ينتفي النفاق وتسقط الذرائع الأيديولوجية هما لا يبرران القبح بل يختارانه انحيازا للهوية، مما يجعل من موقفهما صرخة في وجه المثالية المدعاة، واعترافا بأن الانتماء قد يكون قيدا مأساويا يدرك المرء فداحته ومع ذلك يعجز عن الفكاك منه، مفضلين جحيم الجماعة على فردوس الحقيقة المنفردة.
وعلى النقيض نجد الوجه الأبشع للتعصب وهو الأكثر شيوعا بل يكاد يكون العقيدة العامة التي تحكم الإنسان منذ المجتمعات البدائية حيث يغلف بصبغة أخلاقية زائفة لا يكتفي المتعصب عندها بالانحياز لقومه، بل يسعى لشرعنة هذا الانحياز عبر صياغة منظومات فكرية وقوانين دولية ويصل به الأمر إلى السقوط في مستنقع تزييف الحقائق التاريخية والواقعية لتبرير إقصاء الآخر وشيطنته. إن خطورة هذه العقيدة تكمن في قدرتها على تحويل الكراهية إلى واجب والعدوان إلى دفاع عن القيم الاستحقاقية مما يجعل التعصب يتجاوز كونه غريزة بدائية ليصبح هيكلا سياسيا وثقافيا يحكم العالم بالحديد والنار تحت لواء الحقيقة المطلقة، ولعل من النماذج التي مثلت هذا الاتجاه الأكثر دناءة من التعصب الأديب البريطاني "روديارد كبلينغ" صاحب كتاب "الغابة" الحائز على جائزة نوبل من أبرز الأمثلة التاريخية على الانتماء القائم على نفاق الأيديولوجيا وشيطنة الآخر فعلى عكس دريد بن الصمة أو كامو اللذين اعترفا بمرارة الموقف صاغ كبلينغ مفهوما سماه عبء الرجل الأبيض حيث لم يكتف بالتعصب لبريطانيا الاستعمارية بل ادعى أن استعمار الشعوب الأخرى هو واجب أخلاقي وتضحية يقدمها الغرب لمدنية الشعوب التي وصفها في قصائده بأنها نصف أطفال ونصف شياطين محولا الغزو إلى مهمة إنسانية زائفة تبرر القهر وتجرد الآخر من إنسانيته هربا من مواجهة الحقيقة المجرّدة وتزويرا للمبادئ الأخلاقية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - العرب بعيدا
طاهر مرزوق
(
2026 / 3 / 24 - 09:48
)
الأستاذة/ آمنة
هذه الجدلية من المفروض على مثقفينا وأنت واحدة منهم أن تبحثيها فى المجتمع العربى الذى تخلف عن بقية العالم بسس تلك الجدلية الوضيعة التى فرضها البدو العرب بأسم الدين على كل الدول التى قاموا بغزوها، لذلك يجب أن يكون دورك الإيجابى هو مناقشة تلك الجدلية فى إطار شعوبنا التى يهيمن عليها التراث الدينى ورجاله ووضعونا فى سلة مهملات العالم، واجبك أن تبحثى فى ماذا قال مفكرى العرب والإسلام والعلمانية العربية حتى نلغى كل الأفكار السلبية التى تتحكم فى عقول الملايين من الأفراد المتفاخرون بأنهم خير أمة أخرجت للناس دون تفكير فى معانى الكلمات التى يكررونها هباء.
ارجو التعريف هل توجد فى مجتمعاتنا ومناهجنا التعليمية تعصب وكراهية وعنصرية عربية جاهلية يفرضها دين بشرى على المجتمعات دون تفصيل علمى حتى لا نبقى فى مؤخرة الأمم ونعيش على بقايا قمامة التقدم العلمى الذى تصنعه الأمم ذات الأخلاق المتفتحة وتحل مشاكلها بنفسها دول اللجوء لدريد أو ألبير كامو أو غيره؟
.. 111 قتيلا إثر زلزال بقوة 7.4 درجات يضرب كولومبيا والرئيس يعل
.. المؤسسة الليبية للنفط: تعرض مصنع خلط وتعبئة الزيوت في الزاوي
.. خارج الصندوق | غليان في عين العرب وإحراق العلم السوري.. وإير
.. خارج الصندوق | -لا داعي للقلق-.. أول تعليق إيراني على اتفاقي
.. خارج الصندوق | الحوثيون يوسعون دائرة الصراع.. والعليمي يحذر: