الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من الفيسبوك إلى قاعة المحكمة: ابتسام لشكر وحدود حرية التعبير في القانون المغربي

خالد خالص

2026 / 3 / 24
دراسات وابحاث قانونية


لم تكن صورة على "فيسبوك" لتثير هذا القدر من الجدل لولا أن صاحبتها اختارت أن ترتدي قميصًا يحمل عبارة مسيئة للذات الإلهية، وأرفقتها بتدوينة تمس بالدين الإسلامي. وفي لحظات، تحولت الواقعة من "منشور شخصي" إلى قضية رأي عام، تتناولها الصحف - الوطنية والدولية- والمواقع الرقمية، وتدور حولها النقاشات في المقاهي والصالونات الحقوقية والسياسية وغيرها.
ومع دخول بعض الجمعيات الحقوقية على خط التعليق، وصدور بلاغ رسمي عن وكيل الملك، إضافة الى قرار المتابعة، انتقل النقاش من الواقعة ذاتها إلى سؤال أعمق: أين تقف حدود حرية التعبير في المغرب؟
1. بلاغ وكيل الملك (10 غشت 2025): التكييف القانوني للفعل
ورد في البلاغ أنه "على إثر قيام سيدة بنشر صورة لها بحسابها على إحدى منصات التواصل الاجتماعي وهي ترتدي قميصًا مكتوبًا عليه عبارات مسيئة للذات الإلهية، وأرفقت الصورة بتدوينة تتضمن إهانة للدين الإسلامي، أمرت النيابة العامة بفتح بحث في الموضوع، ونظرًا لضرورته تم وضع المعنية بالأمر تحت الحراسة النظرية طبقا للقانون."
نلاحظ بأن هذا التوصيف يضع الفعل في إطاره الجنائي المباشر، باعتباره مساسًا صريحًا بالدين الإسلامي، وهو فعل يجرمه القانون المغربي بوضوح.
2. قرار المتابعة
بتاريخ 12 غشت 2025، قررت النيابة العامة متابعة ابتسام لشكر في حالة اعتقال وإحالتها مباشرة على الجلسة للمحاكمة.
ورغم تحفظنا الشديد والدائم على اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي إلا في حالات استثنائية، فإن الواقعة تفرض التوقف عند أبعادها الدستورية والقانونية وحتى الاجتماعية والثقافية.
3. الإطار الدستوري
يضمن الفصل 25 من الدستور حرية الفكر والرأي والتعبير، لكن الدستور يربطها باحترام القوانين.
ينص الفصل 41 من الدستور على أن الملك، بصفته أمير المؤمنين، هو الضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية وحماية الدين الإسلامي.
4. الإطار القانوني
ينص الفصل 267-5 من القانون الجنائي على أنه: "يعاقب بالحبس والغرامة كل من أساء إلى الدين الإسلامي أو النظام الملكي أو الوحدة الترابية، مع تشديد العقوبة إذا ارتكب الفعل علنًا أو عبر الوسائط الإلكترونية.
ويجرم الفصل 220 كل محاولة لزعزعة عقيدة مسلم أو التشويش على معتقده.
وبالنظر لعلنية الفعل ونشره عبر منصة اجتماعية مفتوحة ( صفحة الفايس بوك ) ، فإن المعنية بالأمر قد تواجه ظروف التشديد في هذه النازلة.
5. الأبعاد الاجتماعية والسياسية
اجتماعيًا: نلاحظ منذ نشر صورة السيدة وهي ترتدي قميصا مسيئا للذات الالاهية بأن هنالك سخط ورفض شعبي واسع لأي مساس بالمقدسات، مع دعوات للتطبيق الصارم للقانون.
سياسيًا: هنالك جدل بين من يعتبر الفعل إساءة محضة للذات الالاهية، ومن يرى بأنه يدخل ضمن حرية التعبير، مع بروز إشكالية التوفيق بين المرجعية الحقوقية الكونية والخصوصية الثقافية والدينية.
أمنيًا: يرى آخرون بأن مثل هذه الأفعال قد تؤدي إلى توترات مجتمعية وتغذية الاستقطاب.
6. البعد المقارن
قيود مماثلة على ازدراء الأديان موجودة في تشريعات دولية:
فرنسا: تجرم التحريض على الكراهية الدينية (قانون 1881 المعدل).
ألمانيا: §166 StGB يجرم الإساءة العلنية للأديان إذا أخلت بالسلم العام.
المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان: أقرت في قضية E.S ضد النمسا (2018) مشروعية تقييد حرية التعبير حمايةً للمشاعر الدينية والسلم الاجتماعي.
7. البعد المعرفي والفلسفي
نعتقد بأن ما قامت به السيدة ابتسام لشكر لا يحمل في طياته أي قيمة معرفية أو أثر فلسفي؛ ولا يفتح أي نقاش علمي لا بين المؤمنين ولا بين الملحدين، إذ يراه الأولون إساءة لما هو منزه عن البشر وهو الله سبحانه وتعالى، بينما لا يؤمن به الآخرون أصلًا حتى يبحثوا في "صفاته".
النتيجة: تهور واستفزاز مجاني بلا أثر جوهري على القضايا التي تهم الناس مثل العدل والحريات والشغل والصحة والقوة الشرائية وغلاء الاسعار ...
8. ضمانات المحاكمة العادلة وحق الدفاع
مع كل ما سبق، يبقى من الواجب التأكيد على أن المعنية بالأمر تتمتع، بحكم القانون والدستور، بكامل حقوقها في الدفاع عن نفسها أمام القضاء، وأنها بريئة إلى أن تثبت إدانتها بحكم قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به. فقرينة البراءة ليست مجرد مبدأ نظري، بل ضمانة أساسية لعدالة المحاكمة وحقوق الإنسان.
لنخلص الى القول بأن هذه الواقعة تؤكد بأن النقاش حول حرية التعبير في المغرب ليس تنظيرًا مجردًا، بل امتحان عملي يعاد طرحه كلما مسّت إحدى المقدسات.
كما أن احترام القانون سواء في هذه النازلة أو في غيرها ليس قيدًا على الحرية، بل ضمانة للتعايش السلمي. ومن أراد النقاش الحقيقي ، فليكن ذلك بالحجة والفكر، لا بالإساءة والاستفزاز، لأن الحرية بلا مسؤولية قد تتحول إلى أداة فوضى بدل أن تكون جسرًا للتفاهم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة


.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو




.. الخارجية الإيرانية: الاعتداءات الأمريكية انتهاك صارخ لميثاق


.. أخبار الصباح | -سقوطُ الحصانة-.. اعتقال الفضلي بتهمِ فسادٍ ق




.. الضفة الغربية.. أرقام بشأن الطلبة المعتقلين تزامنا مع امتحان