الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


اقتصاد إيران في زمن الحرب: بين إدارة الندرة وإعادة تشكيل قواعد اللعبة

سهام يوسف علي

2026 / 3 / 25
الادارة و الاقتصاد


دخلت إيران مرحلة اختبار قاسٍ مع تصاعد المواجهة العسكرية، وكان الافتراض السائد أن اقتصادًا مثقلًا بالعقوبات سيواجه انهيارًا سريعًا. لكن ما حدث كان مختلفًا؛ فقد تأذّى الاقتصاد الإيراني دون أن يسقط. تشير تقديرات Bloomberg Economics إلى تراجع صادرات النفط من نحو 1.5 مليون برميل يوميًا إلى قرابة 1.2 مليون، إلا أن ارتفاع الأسعار إلى أكثر من 100–110 دولارات للبرميل عوّض جزءًا كبيرًا من هذا الانخفاض، بحيث لم يتحول تراجع الكميات إلى انهيار في الإيرادات، بل إلى توازن هش يسمح بالاستمرار.
لفهم هذه المفارقة، لا يكفي النظر إلى الأرقام، بل يجب التوقف عند مفهوم جوهري يحكم هذا الأداء، وهو ما ، يمكن تفسيره ضمن تقاطع عدة أطر تحليلية معروفة، تشمل اقتصاد الندرة، واقتصاد العقوبات، واقتصاد الحرب، إضافة إلى مفهوم المرونة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يمكن استخدام توصيف تحليلي يُشار إليه بـ “إدارة الاقتصاد تحت قيود الندرة” (Economic Management under Scarcity Constraints)، لوصف نمط السياسات المتبعة.
يشير هذا الإطار إلى حالة تصبح فيها القيود الخارجية، مثل العقوبات، وصعوبة الوصول إلى الأسواق المالية، وعدم استقرار التدفقات التجارية، عوامل بنيوية دائمة، لا صدمات مؤقتة. ونتيجة لذلك، تتحول وظيفة السياسة الاقتصادية من تعظيم النمو إلى تعظيم القدرة على الصمود والاستمرارية.
ضمن هذا النمط، تتسم السياسات الاقتصادية بعدة خصائص:
1.إعادة تخصيص الموارد نحو القطاعات الأساسية والاستراتيجية
2.تقليص الاعتماد على المدخلات الخارجية بقدر الإمكان
3.تطوير قنوات بديلة للتجارة والتمويل خارج الأطر التقليدية
4.استخدام أدوات نقدية وإدارية للحد من الطلب على العملات الأجنبية
ولا يُقاس نجاح هذه السياسات بمؤشرات النمو التقليدية، بل بمدى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات والحفاظ على الاستقرار النسبي في ظل بيئة مقيدة. ويقترب هذا المفهوم من أدبيات “المرونة الاقتصادية” (Economic Resilience)، التي تركز على قدرة الأنظمة الاقتصادية على التكيف مع الضغوط الخارجية وإعادة التوازن دون انهيار.
بالتالي، فإن ما يبدو من صمود نسبي في الاقتصاد الإيراني لا يعكس بالضرورة قوة هيكلية أو كفاءة إنتاجية مرتفعة، بل يعكس قدرة مؤسسية على إدارة الموارد ضمن بيئة تتسم بندرة نسبية وقيود مستمرة.
في هذا الإطار، لا يُفهم الأداء الاقتصادي من زاوية النمو، بل من زاوية القدرة على الاستمرارية تحت القيود البنيوية.
ولا يمكن فصل هذا الأداء عن العامل الجغرافي. فكما يشير تحليل Foreign Policy، فإن موقع إيران يمنحها ميزة تتجاوز البعد العسكري لتصل إلى التأثير الاقتصادي المباشر. فتموضعها قرب مضيق هرمز يجعلها قادرة على التأثير في تدفقات الطاقة العالمية، ومع كل تصعيد ترتفع أسعار النفط وتزداد كلفة الإمدادات، ما يعني أن جزءًا من كلفة الحرب لا تتحمله إيران وحدها، بل يُعاد توزيعه على الاقتصاد العالمي. في هذه الحالة، تتحول الجغرافيا إلى عنصر اقتصادي فاعل، حيث تزداد قيمة الموقع كلما اشتد الضغط.
وتعكس تحركات العملة الإيرانية هذه الديناميكيات، إذ سجّل الريال تحسنًا بنحو 8% في السوق غير الرسمية خلال فترات التصعيد، وهو تحسن لا يعكس قوة هيكلية بقدر ما يعكس توازنًا مؤقتًا ناتجًا عن ارتفاع الإيرادات النفطية وتراجع الطلب على الدولار. وهنا يظهر الفرق بين الصمود والقوة؛ فالأول يعني القدرة على عدم الانهيار، بينما يتطلب الثاني بيئة اقتصادية أكثر استقرارًا وانفتاحًا.
تجارب دول لم تتمكن من إدارة الندرة.

ولإدراك خصوصية هذا النموذج، يكفي النظر إلى تجارب دول لم تتمكن من إدارة الندرة عند تعرضها لصدمات كبرى. ففي العراق، أدى اضطراب الإنتاج وتراجع الإيرادات خلال فترات الصدمات إلى اختلالات مالية واضحة، خاصة في المراحل التي أعقبت التغيرات السياسية عام 2003. وفي ليبيا استمر الإنفاق رغم تعطل الموارد، بينما واجهت فنزويلا صدمة النفط دون إعادة هيكلة اقتصادية، فانتهى الأمر بتضخم حاد وانكماش واسع، هذه التجارب تكشف أن الاقتصادات الريعية لا تنهار بسبب الحرب وحدها، بل بسبب عجزها عن التكيف معها.
في المقابل، لا تمثل إيران اقتصادًا قويًا بالمعنى التقليدي، لكنها تمثل اقتصادًا تعلّم كيف يعمل داخل القيود. فهي لا تعيش في وفرة، لكنها أيضًا لا تنهار تحت الندرة، بل تعيد تشكيل نفسها ضمن حدود الممكن، بحيث تصبح الندرة أداة إدارة لا سببًا للانهيار. وفي هذا السياق، لا يعود الاقتصاد مجرد أداة للنمو، بل يتحول إلى آلية للبقاء، حيث تُدار الحرب ليس بالسلاح فقط، بل بالجغرافيا والاقتصاد معًا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. ما الأبعاد الاقتصادية لتوقف الحركة في مضيق


.. أوروبا اليوم: القارة عند منعطف اقتصادي مع تصاعد التوترات الع




.. كيف أثر رفع الحظر الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية؟


.. النيتو في أنقرة.. تحديات التمويل العسكري وفجوة الإنتاج الدفا




.. نجيب ساويرس في أجرأ تصريحاته: الذهب يتأرجح ووضع الدولار يتغي