الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العنف بين الإخوة الصغار: حين تصنع الأسرة المشكلة ويُعيد الإعلام إنتاجها
أسامة البدران
كاتب ومؤلف وصحفي
(Osama Al-badran)
2026 / 3 / 25
التربية والتعليم والبحث العلمي
تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي يتشكّل فيها وعي الطفل النفسي والاجتماعي، ومنها يتعلّم أساليب التعبير عن مشاعره، وحدود علاقته بالآخرين، وطرائق حلّ خلافاته. غير أنّ ما يبدو أحيانًا «مشاجرات طفولية عابرة» بين الإخوة قد يخفي خلفه مؤشرات تربوية عميقة تستحق التوقف والتحليل، لأن العنف بين الإخوة ليس مجرد سلوك طارئ، بل غالبًا ما يكون انعكاسًا مباشرًا لطبيعة المناخ الأسري، وأنماط المعاملة الوالدية، إضافة إلى تأثير البيئة الإعلامية المحيطة بالطفل.
وفي زمن أصبح فيه الأطفال أكثر انفتاحًا على وسائل الاتصال الحديثة، وأقدر على التعبير عن مشكلاتهم خارج نطاق الأسرة، أخذت المجلات التربوية والمنصات النفسية المتخصصة تفسح المجال أمامهم لطرح تساؤلاتهم ومشكلاتهم اليومية، في محاولة لفهم دوافع السلوك العدواني بينهم، واقتراح حلول تربوية تساعد على ضبطه وتوجيهه.
ففي إحدى المجلات النفسية الفرنسية، تساءلت طفلة في التاسعة من عمرها: «لماذا أضرب إخوتي الصغار من دون تفكير؟ لقد سئمت من كوني قاسية معهم».
وقد جاء رد المختصة التربوية مؤكدًا أن شعور الطفلة بالضيق من إخوتها أمر طبيعي، ولا ينبغي أن يُفسَّر بوصفه نزعة شريرة، إذ إن احترام الصغار لمكانة الأكبر داخل الأسرة ليس سلوكًا مكتسبًا بسهولة، بل يحتاج إلى توجيه تربوي متوازن. ومع ذلك، شددت على أن الضرب لا يمثل وسيلة مناسبة لحل النزاعات، بل يتطلب تدخل الوالدين لضبط العلاقات بين الأبناء ووضع حدود عادلة وواضحة بينهم.
ولا يخفى أن الأطفال الأصغر سنًا قد يتعمّدون أحيانًا استفزاز إخوتهم الأكبر اعتمادًا على شعورهم بالحماية الوالدية، الأمر الذي يفرض على الأهل مسؤولية تنظيم العلاقة بينهم بطريقة تمنع تحول صغر السن إلى امتياز دائم أو حصانة سلوكية غير منضبطة.
وتتعدد أسباب النزاعات بين الإخوة في مرحلة الطفولة المبكرة، لتشمل التنافس على الألعاب، والأجهزة الإلكترونية، والحيوانات الأليفة، أو الشعور بعدم المساواة في المعاملة، فضلًا عن الغيرة الطبيعية الناتجة عن اختلاف درجات الاهتمام والرعاية. وعلى الرغم من أن هذه الأسباب قد تبدو بسيطة في نظر الكبار، فإنها تمثل لدى الأطفال قضايا ذات أهمية نفسية حقيقية.
ويشير المختصون في التربية إلى أن الطفل الأكبر قد يلجأ أحيانًا إلى العنف بوصفه وسيلة غير مباشرة لاستعادة اهتمام الوالدين، أو للتعبير عن مشاعر الغضب المكبوتة تجاه أخيه الأصغر، الأمر الذي يستدعي معالجة تربوية قائمة على الحوار والتوازن العاطفي داخل الأسرة.
ومن أهم الأساليب التربوية الفاعلة في هذا المجال:
• تخصيص وقت نوعي للطفل الأكبر يشعره بقيمته داخل الأسرة.
• إشراكه في أنشطة خاصة تعزز ثقته بنفسه.
• الحوار معه حول مشاعر الغضب بدل قمعها.
• تعليمه وسائل بديلة للتعبير عن الانزعاج.
ولا يمكن إغفال أثر العلاقة بين الوالدين أنفسهم في تشكيل السلوك العدواني لدى الأبناء، إذ يميل الأطفال بطبيعتهم إلى تقليد النماذج السلوكية الأقرب إليهم، وفي مقدمتها سلوك الأب والأم. لذلك فإن استمرار الخلافات الزوجية أمام الأبناء يرسّخ لديهم صورة العنف بوصفه أسلوبًا طبيعيًا لحل النزاعات.
تأثير الإعلام المرئي في تشكيل السلوك العدواني
ما يزال تأثير وسائل الإعلام المرئية، ولا سيما التلفزيون، موضوعًا محل جدل بين الباحثين والمتخصصين في علم النفس التربوي. فهناك اتجاه يرى أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف يسهم في تعزيز السلوك العدواني لدى الأطفال، وقد يمتد أثره إلى مراحل عمرية لاحقة. في المقابل، يرى اتجاه آخر أن العلاقة بين مشاهدة العنف الإعلامي والسلوك العدواني ليست علاقة حتمية، ولا توجد أدلة علمية قاطعة تثبتها بشكل مباشر.
غير أن الرأي التربوي الغالب يميل إلى التأكيد على ضرورة مراقبة المحتوى الإعلامي الذي يتعرض له الأطفال، لما له من دور محتمل في تشكيل تصوراتهم عن العلاقات الإنسانية وأساليب التعامل مع الخلافات.
تفسير أسباب العنف بين الإخوة في ضوء البيئة الأسرية والإعلامية
انطلاقًا مما تقدّم من تحليل لطبيعة النزاعات بين الإخوة داخل الأسرة، يتضح أن السلوك العدواني بينهم لا ينشأ غالبًا بصورة عفوية أو معزولة، بل يرتبط بجملة من العوامل النفسية والتربوية التي تتداخل فيها أنماط المعاملة الوالدية مع طبيعة العلاقات الأسرية ومؤثرات البيئة الإعلامية المحيطة بالطفل. ويمكن إجمال هذه العوامل في ثلاثة محاور رئيسة:
أولًا: أسباب العنف بين الإخوة
يظهر العنف بين الإخوة غالبًا بوصفه استجابة انفعالية لمشاعر داخلية غير متوازنة، أو انعكاسًا لاختلال في إدراك العدالة داخل الأسرة، ومن أبرز هذه الأسباب:
• الغيرة الناتجة عن اختلاف درجات الاهتمام والرعاية بين الأبناء، وهو ما يدفع الطفل الأكبر أحيانًا إلى محاولة استعادة موقعه داخل الأسرة عبر سلوك عدواني.
• الشعور بعدم العدالة في المعاملة الوالدية، ولا سيما عندما يفسّر الطفل بعض المواقف اليومية بوصفها تفضيلًا لأحد الإخوة على حسابه.
• التنافس على الممتلكات والألعاب والأجهزة الإلكترونية، وهي أسباب تبدو بسيطة للكبار لكنها تمثل لدى الأطفال مجالًا لإثبات الذات والتميّز.
• محاولة جذب انتباه الوالدين، خصوصًا عندما يشعر الطفل بتراجع مستوى الاهتمام به بعد ولادة أخ أصغر.
• تقليد سلوك العنف داخل الأسرة، إذ يميل الأطفال إلى محاكاة الأنماط السلوكية التي يشاهدونها لدى الوالدين دون إدراك آثارها.
• الشعور بالحماية الزائدة التي يتمتع بها الطفل الأصغر، مما يشجع أحيانًا على استفزاز الأخ الأكبر اعتمادًا على تلك الحماية.
ثانيًا: دور الوالدين في الحد من الظاهرة
ولما كانت الأسرة هي الإطار الأول لتشكّل السلوك الاجتماعي لدى الطفل، فإن مسؤولية الحد من العنف بين الإخوة تقع بدرجة كبيرة على الوالدين، وذلك من خلال:
• تحقيق العدالة في المعاملة بين الأبناء، لأن الإحساس بالمساواة يمثل أساس الاستقرار النفسي داخل الأسرة.
• وضع حدود واضحة للسلوك المقبول، بما يمنع تحوّل المشاجرات اليومية إلى أنماط عدوانية متكررة.
• تخصيص وقت فردي لكل طفل، بما يعزز شعوره بالأهمية والانتماء داخل الأسرة.
• تشجيع التعبير اللفظي عن المشاعر بدل اللجوء إلى العنف بوصفه وسيلة للتنفيس الانفعالي.
• إبعاد الأبناء عن الخلافات الزوجية، لأن مشاهدة النزاعات بين الوالدين ترسّخ لدى الأطفال صورة العنف باعتباره أسلوبًا طبيعيًا لحل المشكلات.
ثالثًا: دور الإعلام في تشكيل السلوك العدواني
ولا يقتصر تأثير العوامل التربوية على البيئة الأسرية وحدها، بل يمتد إلى ما يتعرض له الطفل من محتوى إعلامي، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن التعرض المتكرر لمشاهد العنف قد يسهم في تعزيز السلوك العدواني لدى الأطفال، في حين لا يوجد إجماع علمي حاسم حول حجم هذا التأثير. ومع ذلك، يبقى الإشراف الأسري على المحتوى الإعلامي ضرورة تربوية، لما له من دور في تشكيل تصورات الطفل عن العلاقات الإنسانية وأساليب التعامل مع الخلافات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. نقاش الساعة | سياسة أمريكا بين المصالح الإسرائيلية وأمن المن
.. وكالة تسنيم: هجمات أمريكية استهدفت الجسر الرابط بين بندر عبا
.. احتجاجات الخريجين بالعراق للمطالبة بالتوظيف الحكومي في ظل أز
.. سيناريوهات | تعهدات الزيدي بحل المليشيات قبيل زيارته إلى واش
.. خارج الصندوق | بعد لقاء الزيدي وترمب.. العراق يواجه أخطر 48