الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين أسطورة النداهة وذاكرة الطفولة: قراءة نقدية في قصة -أم الشخاليل- لليلى حسين
عصام الدين صالح
2026 / 3 / 26الادب والفن
﷽
المقدمة
يحمل العنوان في العمل الأدبي (وفقاً لجيرار جينيت[1]) أبعاداً دلالية عميقة بوصفه "عتبة نصية" تمهد لدخول القارئ إلى عالم النص.
وعنوان قصة "أم الشخاليل" للكاتبة ليلى حسين ينطوي على ثنائية دالة تتراوح بين الحنين والرهبة، حيث تستدعي الشخصية الأسطورية من الفلكلور الشعبي ذاكرة طفولة تعج بالتناقضات بين دفء الأمان المنزلي وبرودة الخوف الوجودي.
تتجلى في هذه القصة رواسب الخبرة الإبداعية المتعددة للكاتبة التي تجمع بين التصميم الجرافيكي والكتابة الأدبية، مما يضفي على نصوصها طابعاً تشكيلياً يجعل الكلمات ترسم مشاهد حية تتحرك أمام القارئ.
وهذا التمازج بين الفنون البصرية والأدبية يمنح النص أبعاداً جمالية تستحق القراءة المتأنية.
ستعتمد هذه الدراسة على المنهج السردي كإطار تحليلي رئيسي، مع الاستعانة بمداخل أنثروبولوجية ونفسية ونسوية لفهم الأبعاد المتعددة للنص، انطلاقاً من فرضية رئيسية مفادها أن القصة لا تمثل مجرد استعادة لذكريات الطفولة، بل هي إعادة بناء نقدي للذاكرة الجمعية من خلال منظور أنثوي يزاوج بين الواقع والأسطورة
أولاً: التحليل السردي والبنية الفنية
1. الزمن وتداخل الوعي
يتميز الزمن في القصة بتداخل مقصود بين الماضي والحاضر، حيث تنتقل الساردة بسلاسة بين لحظة الطفولة في ليلة المطر المخيفة وبين تأملات الراشدة: "تمر الأعوام ويصبح للمطر مذاق سحري ورهبة". هذا الانزياح الزمني يخلق ما يمكن تسميته "الزمن المعاش"[2] الذي يتجاوز التتابع الخطي ليقدم تجربة إنسانية شاملة.
2. المكان ككائن فاعل
لا يقتصر دور المكان في القصة على كونه مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى شخصية فاعلة تؤثر في الأحداث والشخصيات.
فالقرية ببيوتها الطينية وطرقها الموحلة وبيوتها المهجورة تشكل فضاءً رمزياً يحمل دلالات الهامشية والهشاشة، بينما يمثل البيت بطبقاته وأركانه المختلفة عالم الأمان النسبي الذي لا تخلو شقوقه من تسرب المخاوف.
3. السارد والرؤية السردية
تستخدم الكاتبة الراوي العليم بضمير المتكلم، مما يمكن تصنيفه ضمن "الرؤية مع" حسب تصنيف جينيت[3]، حيث نرى الأحداث من خلال عين الطفلة ولكن بحكمة الراشدة.
هذا الانزياح في وجهة النظر يخلق تعدداً في الأصوات السردية يثري النص ويمنحه عمقاً وجودياً.
4. الحبكة بين الواقع والأسطورة
تمتزج في القصة حبكتان متوازيتان: حبكة واقعية تمثلها ليلة المطر وقلق الطفلة على أبيها، وحبكة أسطورية تتمثل في حضور "أم الشخاليل" والجن والعفاريت.
هذا المزج يخلق نسيجاً سردياً فريداً يعكس رؤية العالم من خلال عين الطفل التي لا تفصل بين الواقع والخيال.
5. الشخصيات كرموز ثقافية
الطفلة الساردة: تمثل الوعي الناشئ والفضول المعرفي المقموع
الأم: تجسيد للحماية والعاطفة غير المشروطة
الجدة: حارسة التقاليد والطقوس والمعرفة الشعبية
الأب: رمز الأمان والاستقرار والمنقذ المتوقع
أم الشخاليل: تمثيل للخوف الجمعي والمنطقة المحرمة
6. اللغة بين الشعرية والتشكيل البصري
تتميز لغة القصة بطابعها الشعري المشهدي، حيث تعتمد الكاتبة على خلفيتها الفنية في تشكيل صور بصرية حية: "جدتي تطلق ضفائرها الفضية وقد توجت وجهها القمر".
هذا الانزياح نحو الشعرية لا يضعف البنية السردية، بل يثريها ويمنحها أبعاداً جمالية إضافية.
ثانياً: الأبعاد الثقافية والأنثروبولوجية
تمثل "أم الشخاليل" نموذجاً للكائنات الأسطورية في الفلكلور الشعبي التي تعمل كآلية ثقافية لتفسير الظواهر الغامضة وتبرير الممنوع.
ويمكن تتبع أشباه لها في المنطقة العربية مثل "أم الدويس" في الإمارات و"الست ملثمة" في مصر و"أم الصبيان" في المغرب العربي.
تكشف الطقوس الواردة في القصة - من الرقية باستخدام المعوذات إلى استخدام الشبة والملح الرشيدي - عن منظومة من المعتقدات الشعبية التي تشكل وعي المجتمع الريفي.
هذه الطقوس، كما يرى ميرسيا إلياد، تمنح الإنسان "إحساساً بالمعنى" في مواجهة المجهول[4].
ثالثاً: القراءة النفسية والنسوية
من المنظور النفسي، يمكن تفسير الخوف من "أم الشخاليل" كإسقاط للقلق الوجودي للطفلة من الفقد والانفصال. فحسب التحليل الفرويدي[5]، تمثل الأسطورة هنا تعبيراً رمزياً عن المكبوتات والرغبات الممنوعة.
أما من المنظور النسوي، فتثير القصة تساؤلات مهمة حول صورة المرأة في المخيال الجمعي بين ثلاثية:
الأم الحامية،
الجدة الحكيمة،
وأم الشخاليل المهددة.
هذا التمازج في الصور يعكس النظرة المزدوجة للمرأة في اللاوعي الجمعي[6] كمصدر للأمان والخطر في آن واحد.
رابعاً: نقاط القوة والضعف
نقاط القوة:
· المزج الإبداعي بين الواقعي والأسطوري
· اللغة الشعرية الغنية بالصور الحسية
· العمق النفسي في استبطان عالم الطفولة
· التوثيق الثقافي للطقوس والمعتقدات الشعبية
نقاط الضعف:
· عدم وضوح الانتقالات بين الأزمنة في بعض المقاطع
· الإطالة في بعض المشاهد على حساب تطور الحبكة
· غياب بعض العناصر الوصفية المهمة لبناء الفضاء
الخاتمة
تكشف قصة "أم الشخاليل" عن قدرة الأدب على توثيق الذاكرة الجمعية وإعادة إنتاجها نقدياً.
فمن خلال عيني طفلة حساسة، تستطيع ليلى حسين أن تقدم رؤية نقدية للتراث الثقافي تزاوج بين الحنين إليه وتسليط الضوء على تناقضاته.
لا تمثل القصة مجرد استعادة ساذجة لذكريات الطفولة، بل هي إعادة بناء للذاكرة من منظور ناضج يحتفظ ببراءة النظرة الطفولية مع حكمة الخبرة المكتسبة.
وهذا ما يجعل من النص وثيقة إنسانية وشهادة جمالية على زمن ثقافي يتلاشى، لكنه يظل حياً في الذاكرة والأدب.
المراجع
المؤلفات المترجمة
(1) جينيت، ج. (2007). عتبات. (ترجمة: س. بنكراد،). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
(2) ريكور، ب. (2006). الزمن والسرد. (ترجمة: س. الغانمي،). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
(3) جينيت، ج. (1993). خطاب الحكاية. (ترجمة: م. معتصم،). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
(4) إلياد، م. (1996). المقدّس والمدنّس. (ترجمة: ف. الزاهي،). الدار البيضاء: دار توبقال.
(5) فرويد، س. (1981). تفسير الأحلام. (ترجمة: ج. طرابيشي). بيروت: دار الطليعة.
(6) يونغ، ك. ج. (2003). الإنسان ورموزه. (ترجمة: م. صالح،). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات.
الهوامش
(1) جينيت، ج. (2007). عتبات. (ترجمة: س. بنكراد،). الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.
(2) ريكور، ب. (2006). الزمن والسرد. (ترجمة: س. الغانمي،). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
(3) جينيت، ج. (1993). خطاب الحكاية. (ترجمة: م. معتصم،). الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
(4) إلياد، م. (1996). المقدّس والمدنّس. (ترجمة: ف. الزاهي،). الدار البيضاء: دار توبقال.
(5) فرويد، س. (1981). تفسير الأحلام. (ترجمة: ج. طرابيشي). بيروت: دار الطليعة.
(6) يونغ، ك. ج. (2003). الإنسان ورموزه. (ترجمة: م. صالح،). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا