الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تقرير2024 TALIS لا يقولها بشكل مباشر، لكن قراءته بعمق تكشف وهم المؤشرات الإيجابية
محمد الزيري
صحفي مهني، باحث اكاديمي حاصل على شهادة الدكتوراه
(Ezziri Mohammed)
2026 / 3 / 26
التربية والتعليم والبحث العلمي
رغم ما يوحي به تقرير TALIS 2024 من دقة علمية وصرامة إحصائية، فإن القراءة النقدية المتأنية تكشف أن جزءا مهما من الأرقام المقدمة لا يعكس حقيقة الواقع التعليمي بالمغرب، بل يعيد إنتاج صورة “مخففة” للأزمة، بل أحيانا صورة مضللة. فالتقرير نفسه يعترف في مقدمته أن نتائجه تعتمد أساسا على تصريحات ذاتية للمدرسين، وهي معطيات “يجب تفسيرها بحذر” لأنها مرتبطة بالسياق الثقافي والاجتماعي، وهو اعتراف كاف لفتح باب الشك في مصداقية عدد من المؤشرات التي تبدو إيجابية.
أول هذه المفارقات الصارخة تتجلى في نسبة الرضا المهني المرتفعة، حيث يصرح حوالي 92% من الأساتذة أنهم راضون عن عملهم. هذا الرقم، في سياق يعرف احتجاجات متكررة في قطاع التعليم، وضعف الأجور، وتوتر العلاقة مع الإدارة، يبدو أقرب إلى “رقم سياسي” منه إلى معطى علمي. فمن غير المنطقي أن يتعايش هذا المستوى المرتفع من الرضا مع حقيقة أن 24% فقط من الأساتذة راضون عن أجورهم. هنا يظهر التناقض بوضوح: كيف يمكن لمدرس غير راض عن أجره، ويشتغل في ظروف صعبة، أن يكون في الآن نفسه “راضيا جدا” عن عمله؟ هذا لا يعكس واقعا إيجابيا، بل يعكس ظاهرة تسمى “التكيف مع الأزمة”، حيث يتحول الرضا إلى آلية نفسية للبقاء، لا إلى مؤشر جودة.
المفارقة الثانية تتعلق بمؤشر “تحقيق أهداف الدروس”، حيث يؤكد التقرير أن 54% من الأساتذة يحققون أهدافهم التعليمية بشكل كبير. هذا الرقم يبدو متفائلا بشكل مبالغ فيه إذا ما وضعناه في سياق نتائج التلاميذ على المستوى الوطني والدولي، والتي تعكس ضعفا واضحا في التعلمات الأساسية. فإذا كان نصف الأساتذة يحققون أهدافهم، فأين الخلل إذن؟ هل المشكلة في التلاميذ؟ أم أن “أهداف الدروس” نفسها منخفضة أصلا؟ هنا تكمن المشكلة: المؤشر لا يقيس جودة التعلم الحقيقي، بل يقيس “إحساس الأستاذ” بإنجاز المهمة، وهو معيار ذاتي لا يمكن أن يكون أساسا لتقييم منظومة تعليمية.
أما بخصوص “انخفاض مستوى التوتر”، حيث يشير التقرير إلى أن 13% فقط من الأساتذة يعانون من ضغط كبير، فإن هذا الرقم يطرح بدوره أكثر من علامة استفهام. فكيف يمكن تفسير هذا الانخفاض في ظل الحديث المتكرر عن الاحتراق النفسي، والإجهاد المهني، وكثرة الإضرابات؟ بل إن التقرير نفسه يناقض هذا المعطى عندما يشير إلى أن 17% من الأساتذة يعانون من تأثير سلبي كبير للعمل على صحتهم الجسدية . كيف يكون الضغط منخفضاً والتأثير الصحي مرتفعاً؟ هذا التناقض يعكس خللا في أدوات القياس أو في طريقة صياغة الأسئلة.
ومن بين الأرقام التي تثير الشك أيضا، تلك المتعلقة بقدرة الأساتذة على التعامل مع التنوع داخل الفصل، حيث يصرح حوالي 80% منهم أنهم قادرون على التكيف مع الاختلافات الثقافية والاجتماعية للتلاميذ. هذا الرقم يبدو مثاليا إلى حد كبير، خاصة إذا استحضرنا واقع الاكتظاظ وضعف التكوين المستمر. فكيف يمكن لأستاذ يشتغل في قسم مكتظ، وبدون دعم كاف، أن يكيف تدريسه مع كل هذا التنوع؟ هنا مرة أخرى، نحن أمام “تصريح نوايا” أكثر من كونه حقيقة ميدانية.
الأمر نفسه ينطبق على مؤشر “العلاقة الجيدة داخل المؤسسة”، حيث يؤكد 93% من الأساتذة وجود علاقة مهنية جيدة مع الإدارة . هذا الرقم يبدو بعيدا عن النقاش العمومي الذي يكشف عن توتر مستمر بين الأطر التربوية والإدارة، خصوصا في ظل تنزيل إصلاحات مثيرة للنقاش. ما يحدث هنا هو أن الاستبيانات الدولية غالبا ما تـنتج “إجابات دبلوماسية”، حيث يتجنب المجيبون التعبير عن مواقف حادة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمؤسسات رسمية.
بل إن بعض الأرقام التي تبدو إيجابية في ظاهرها تخفي اختلالات عميقة، مثل نسبة 88% من الأساتذة الذين يتوفرون على عقود دائمة ، والتي قد تقدم كدليل على الاستقرار المهني، لكنها في الواقع لا تعكس جودة هذا الاستقرار، خاصة في ظل الجدل حول أنظمة التوظيف الجديدة، وشعور فئات من الأساتذة بعدم الأمان الوظيفي رغم الصيغة القانونية للعقود.
في العمق، تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة المنهجية المعتمدة في التقرير، والتي تقوم على التصريحات الذاتية بدل المؤشرات الموضوعية. فالتقرير لا يقيس فعليا جودة التعلمات، ولا نتائج التلاميذ، بل يقيس “تصورات” المدرسين، وهي بطبيعتها نسبية ومتأثرة بالسياق. وهذا ما يجعل بعض الأرقام أقرب إلى “انطباعات نفسية” منها إلى حقائق علمية صلبة.
وعليه، فإن أخطر ما في تقرير TALIS ليس ما يقوله، بل ما يخفيه. فهو يقدم أرقاما تبدو مطمئنة في ظاهرها، لكنها تخفي أزمة عميقة في جوهرها. فحين تصبح المؤشرات الإيجابية مبنية على تصورات ذاتية، وليس على نتائج فعلية، فإننا لا نقيس جودة التعليم، بل نقيس قدرة المنظومة على إنتاج خطاب مريح.
في النهاية، يمكن القول إن تقرير TALIS 2024 لا يعاني فقط من محدودية في المعطيات، بل من إشكال أعمق يتعلق بطريقة إنتاج هذه المعطيات. فالأزمة ليست في الأرقام فقط، بل في الثقة في الأرقام نفسها. لأن أخطر أنواع الفشل، ليس ذلك الذي يظهر في الإحصائيات، بل ذلك الذي تخفيه الإحصائيات خلف لغة الأرقام.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الجيش السوداني يعلن إسقاط -مسيرة استراتيجية معادية- فوق محاف
.. هجوم مباغت غرب تعز.. انهيار تحصينات الحوثيين تحت القصف الجوي
.. غارات إسرائيلية على مرتفعات علي الطاهر وبلدات عدة جنوبي لبنا
.. نافذة تحليلية | دمشق وأنقرة تدينان العدوان الإسرائيلي وتطالب
.. خارج الصندوق | إيران هربت من مواجهة إسرائيل بالاعتداء على ال