الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحشد الشعبي بين التفريد والاستهداف وخيار الدمج

سعد العبيدي

2026 / 3 / 27
مواضيع وابحاث سياسية


في الحروب الحديثة، لم يعد استهداف العدو يقتصر على المواجهة المباشرة. فثمة معركة أعمق تُعاد فيها صياغة الصور والمعاني، ضمن جهد نفسي لتفكيكه من الداخل عبر آلية التفريد، التي تقوم على عزل القائد نفسيًا وتضخيم أخطائه وربطها بشخصه، حتى يُختزل فيه المشهد بوصفه المسؤول الأول، بما يرسّخ الرغبة بإزاحته ويُخفّف الأثر النفسي لمقتله.
لكن التفريد لا يتوقف عند القائد؛ إذ يمتد أحيانًا إلى عزل التشكيل الذي يقوده عن محيطه الاجتماعي، عبر تقديمه ككيان منفصل عن الدولة والمجتمع وتضخيم أخطائه، بما يوسّع الفجوة بينه وبين بيئته ويُضعف التعاطف معه. وهي خطوة تجعل استهدافه سياسيًا وعسكريًا أكثر مقبولية، حتى تُقدَّم أحيانًا وكأنها استجابة لمطالب شعبية تربط إزالته بإمكان تحقيق الاستقرار والرفاه.
ولعلّ مثالًا على ذلك يظهر في الحالة اللبنانية، حيث تركّز الاستهداف الإسرائيلي على حزب الله بوصفه الفاعل الأبرز في معادلة الصراع. ومع الوقت، بدا أن ردود الفعل الرسمية والشعبية على استهداف قياداته أو بنيته لم تعد بالمستوى ذاته الذي سُجِّل في مراحل سابقة، في ظل خطاب متزايد يحمّله مسؤولية جانب من التأزم، ويقدّم تحجيمه أو إخراجه من المعادلة مدخلًا لإعادة الاستقرار.
وتبرز اليوم خشية متزايدة من تكرار نمط مشابه في العراق، إذ يُلاحظ تركيز الاستهداف الانتقائي، الأمريكي الاسرائيلي على الحشد الشعبي دون غيره من القوات الأمنية. وهو استهداف يُقرأ ضمن سياق يقترب من نمط التفريد؛ أي تقديم هذا التشكيل بوصفه الفاعل المركزي في التوتر، بما يوسّع المسافة بينه وبين محيطه المجتمعي، ويُمهّد لتقبّل استهدافه وصولًا إلى تحجيم دوره، ومن ثم إنهاء حضوره في معادلة التوازن والصراع. وهذا يعني وقوع المزيد من الخسائر في الأرواح بين المنتسبين، في ظل اختلال التوازن مع عدو يعاني جنون العظمة.
ولأن الدولة هي الجهة المسؤولة عن قرار الحرب وعن قواتها، بما فيها الحشد، فإن حماية منتسبيه لا تحتمل التأجيل أو التعامل معها بوصفها شأنًا ثانويًا. فاستمرار المواجهة عبره وحده، في ظل التفوق العسكري للعدو، يحمّل الدولة كلفًا سياسية وأمنية وبشرية من أبنائها دون غطاء كافٍ للحماية.
ومع تصاعد وتيرة الحرب وتعقّد الظرف الأمني، فإن الحماية المتاحة في الوقت الراهن تمرّ عبر مراجعة سريعة لبنية الحشد وضبط العلاقة بين تشكيلاته والدولة، من خلال الإسراع في دمجه ضمن القوات الأمنية، بصيغة تُنهي عمل بعض فصائله خارج المنظومة الرسمية، وتُوحّد القرار، وتحدّ من ذرائع استهدافه؛ بما يفتح مجالًا لغطاء أوسع للحماية، ويعزّز التنسيق، ويضبط مسألة التحكم بالسلاح.
وفي ظل تداخل الحسابات الميدانية مع الأبعاد النفسية للصراع، ومع ما تكشفه مسارات الحرب في المنطقة من تعقيدات مفتوحة، تبدو هذه الخطوة إجراءً وقائيًا لتقليل الهشاشة والحدّ من اتساع الاستهداف. ويبدو أي تأخير في هذا المسار قد يفتح المجال لتطورات يصعب التحكم بها، حيث ترتفع الكلفة البشرية وتتسع دائرة المخاطر. ومن هنا، فإن التحرك — وإن جاء متأخرًا — لا يبدو خيارًا إضافيًا، بقدر ما هو محاولة لتفادي انزلاق قد يجرّ البلاد إلى مسارات أكثر قسوة، تتجاوز حدود المواجهة إلى تداعيات أوسع تمسّ الاستقرار وتفتح الباب أمام صراعات تتغذى على الفوضى وتمدد النفوذ.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد استهداف محطة براكة.. هل خرجت الميليشيات الإيرانية في الع


.. هل يصبح أحمد الأسير خارج السجن؟ وما مصير قانون العفو العام ف




.. جولة الصحافة| وول ستريت جورنال: شكوك بشأن التوصل إلى تسوية ق


.. نقاش الساعة - مصير هرمز.. هل تتراجع إيران عن السيطرة الكاملة




.. المتحدث باسم أسطول الصمود: ما يتعرض له الشعب الفلسطيني أفظع