الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المثقف ليس محبوبًا… وهذه وظيفته
ناضل حسنين
الكاتب الصحفي
(Nadel Hasanain)
2026 / 3 / 27
قضايا ثقافية
في كل مرة أراقب فيها ما يدور حولي، أشعر أن المشكلة لا تكمن في قلة الأفكار بقدر ما تكمن في هذا الاستسلام الهادئ لما هو جاهز، هذا القبول غير المعلن بأن يتولى الآخرون مهمة التفكير بدلاً عنا، وكأن الله لم يخلق العقل ليستخدمه الإنسان بل ليريحه.
الناس لا ترفض التفكير لأنها تعجز عنه، بل لأنها اعتادت أن تعيش بدونه، ولأن السؤال يرهقها، ولأن الشك يفتح أبواباً لا يرغب كثيرون في الاقتراب منها، ولأن الحقيقة، حين نقترب منها فعلاً، لا تأتي مريحة كما نتخيل، بل تحمل معها عبء التغيير، وهذا ما يهرب منه أغلبنا دون أن يعترف.
هنا تحديداً يبدأ دور المثقف، لا بوصفه شخصاً يكدس المعرفة ويستعرضها، بل بوصفه ذلك الصوت الذي يقتحم هذا الركود، ويعيد تحريك المياه التي ألف الناس سكونها حتى ظنوها عمقاً وهي في الحقيقة مجرد ركود طويل.
المثقف لا يمر على الأفكار مروراً عابراً، ولا يتعامل مع ما يسود باعتباره أمراً مفروغاً منه، بل يتوقف، ينظر، يشكك، ويطرح السؤال الذي يتجنبه الآخرون: لماذا نؤمن بهذا أصلاً؟ من الذي أقنعنا أن هذا هو الطريق الوحيد؟ وما الذي سيحدث لو جربنا أن نفكر خارج هذا الإطار الذي ورثناه دون مراجعة؟
ولأن هذه الأسئلة لا تأتي لطيفة ولا مهذبة كما يحب الناس، فإنهم غالباً ما يقابلونها بالرفض، لا لأن فيها خطأ واضحاً، بل لأنها تقترب أكثر مما ينبغي من مناطق الراحة.
الإنسان بطبيعته يدافع عن استقراره حتى لو بنى هذا الاستقرار على أوهام، ولهذا لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عما يطمئنه، عما يؤكد له أنه على صواب، عما يجعله ينام دون قلق. وهنا تظهر المفارقة التي تضع المثقف في مواجهة مباشرة مع مجتمعه: الناس تريد من يريحها، بينما هو يصر على أن يوقظها، وأن يضع أمامها مرآة لا تجمل، ولا تخفف، ولا تجامل.
ولا أظن أن المثقف الذي ينتظر تصفيق الناس قبل أن يتكلم يمكنه أن يقول شيئاً يستحق البقاء. القبول السريع، في أغلب الأحيان، لا يعني أن الفكرة قوية، بل يعني أنها لم تقترب من الجرح، ولم تلمس شيئاً حساساً، ولم تحرك ما يجب أن يتحرك. ولهذا، حين يبدأ المثقف في تعديل لغته وأفكاره كي تناسب الذوق العام، لا يطور خطابه كما يظن، بل يفرغه من معناه تدريجياً، حتى يتحول، دون أن ينتبه، إلى جزء من الضجيج الذي كان يفترض أن يقاومه.
المشكلة الأعمق، التي لا نحب الاعتراف بها، أن كثيراً من الناس لا يعانون من الجهل بقدر ما يعانون من هذا الكسل الذي يدفعهم لاختيار الطريق الأسهل دائماً، فيكررون ما يسمعون، ويتبنون ما ينتشر، ويرفضون ما يختلف، لا لأنهم فحصوه ووجدوه خاطئاً، بل لأنه ببساطة ليس مألوفاً.
وهنا، لا تكفي المواجهة المباشرة ولا الخطاب العالي، بل يحتاج المثقف إلى شيء أصعب بكثير: أن يعيد إحياء الرغبة في التفكير نفسه، وأن يجعل الإنسان يشعر بأن عقله ليس عبئاً بل أداة، ليس مصدر قلق بل وسيلة لفهم ما يدور حوله بدل أن يبقى متفرجاً عليه.
وفي بيئة تنشغل بالتفاصيل السطحية، وتحتفي بما هو سريع وخفيف، يبدو هذا الدور أشبه بمحاولة السباحة عكس تيار قوي، تيار لا تخلقه رغبات الناس فقط، بل تصنعه منظومة كاملة تدفع نحو الاستهلاك السهل: تعليم لا يسأل بل يلقن الطالب، إعلام يفضل الإثارة على المعنى، وحياة يومية تترك الإنسان مرهقاً إلى درجة تجعله يبحث عن أي شيء يهرب به من التفكير بدل أن يقترب منه.
ومع ذلك، لا أرى في هذا مبرراً للمثقف كي يستسلم أو يخفف من حدة ما يقول، بل أراه سبباً إضافياً لأن يتمسك أكثر، وأن يوضح أكثر، وأن يصر على أن العمق ليس رفاهية، بل ضرورة.
الثمن، بطبيعة الحال، ليس بسيطاً. من يصر على أن يقول ما يراه صحيحاً، سيدفع ثمنه من علاقاته، ومن راحته، وربما من فرصه أيضاً. سيسيء البعض فهمه، وسيتهمه آخرون بالتعالي، وقد يجد نفسه وحيداً في مواقف كثيرة. لكن هذا الثمن، في نظري، جزء من المعادلة، لأن الفكرة التي لا تكلف صاحبها شيئاً، غالباً لا تغير شيئاً.
في النهاية، لا أستطيع أن أرى المثقف كشخص يسعى لإرضاء الناس، ولا حتى كشخص ينتظر منهم أن يفهموه بسرعة، بل أراه كمن يختار طريقاً أطول وأصعب، طريقاً يمر عبر الشك والتفكير والمواجهة، ويقبل أن يسير فيه حتى لو لم يمشِ معه أحد في البداية. فالمجتمعات لا تتغير لأن الجميع قرر فجأة أن يفكر، بل لأن قلة أصرت على فعل ذلك، ورفضت أن تترك عقولها في عهدة الآخرين، وواصلت طرح الأسئلة، لا لأنها تملك كل الإجابات، بل لأنها تعرف أن التوقف عن السؤال هو بداية الجمود الحقيقي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟
.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب
.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي
.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا
.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟