الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جدلية النص والضمانة، إشكالية المواءمة الدستورية

أحمد فاضل المعموري
كاتب

2026 / 3 / 27
دراسات وابحاث قانونية


قراءة نقدية في قانوني العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 وأصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971.
يتناول هذا البحث معضلة الصدام بين الموروث التشريعي العراقي والضمانات التي كفلها دستور 2005. ويركز على ترجيح كفة "التعديل" على "التشريع الجديد" لضرورات سياسية وأمنية راهنة. كما يسلط الضوء على عيوب قانون أصول المحاكمات الجزائية، لاسيما المادة (249)، موضحاً كيف تتحول الإجراءات من وسيلة للعدالة إلى أداة لتقييد الحريات.
إن الرؤية الجوهرية لهذا البحث تتلخص في أن "قانون عقوبات بدون إجراءات صحيحة تضمن الحريات والضمانات الدستورية يحوله إلى قانون نخبة وليس قانوناً عاماً. وقانون إجراءات بدون قانون عقوبات متوافق مع الضمانات الدستورية يجعلنا أمام قانون متعسف باستخدام الحق."
أولاً: جدلية التعديل أم التشريع الجديد؟ (الرؤية الواقعية)
في ظل الاضطراب السياسي، وتجاوز المدد الدستورية، وضعف الاستقرار في السلطة التشريعية، نرى أن خيار "تعديل النصوص" هو الأسلم والأكثر نفاذاً من خيار "التشريع الجديد بالكامل" للأسباب التالية : تجنب الانسداد التشريعي: صعوبة التوافق البرلماني على قانون عقوبات جديد وشامل في ظل الانقسام الحالي. المعالجة الموضوعية العاجلة : إن إلغاء أو تعديل النصوص التي تمس الحريات (مثل مواد إهانة السلطات) يشكل حلاً جذرياً يحمي المواطن دون الحاجة لانتظار تشريع كلي قد يتعثر لسنوات. صمود النص الرصين : قانون العقوبات العراقي يمتلك رصانة صياغية قادرة على الصمود، شريطة تنقيته من الفلسفة "الثورية" الشمولية التي بني عليها .
ثانياً: فلسفة الإجراءات في قانون أصول المحاكمات (رقم 23 لسنة 1971). يعاني قانون أصول المحاكمات الجزائية من خلل في "فلسفة الاتهام"، حيث استمد روحه من حقبة عسكرية ثورية (مجلس قيادة الثورة المنحل)، مما أدى إلى: عقيدة الشكوى المجردة: يكفي تقديم شكوى وإحضار شهود (قد يكونون غير موثوقين) لإطلاق يد السلطة في إجراءات قاسية (توقيف أو استقدام). غياب تمحيص القرائن : تحول الإجراء من "جمع أدلة" لغرض الوصول للحقيقة، إلى "إجراء عقابي مبكر" يسبق المحاكمة، مما يهدر قرينة البراءة (المتهم بريء حتى تثبت إدانته). السلطة التقديرية الواسعة : منح قضاة التحقيق سلطات واسعة في التكييف الإجرائي دون رقابة فورية وفعالة، مما يفتح الباب أمام التعسف.
ثالثاً: نقد المادة (249) الأصولية (عائق الطعن والتمييز) تعد المادة (249) بفقرتيها (ب) و(ج) من أخطر النصوص التي تمس جوهر المحاكمة العادلة، وعلى الرغم من قرار المحكمة الاتحادية رقم 3/ اتحادية / اعلام /2018 ، إلا أن القراءة الحقوقية تكشف عن الآتي:
المادة 249/ب (إهدار الضمانات): تنص على عدم الاعتداد بالخطأ الإجرائي إذا لم يكن ضاراً بالدفاع. هذا النص يعطي حصانة للأخطاء القانونية ويجعل من الإجراءات الشكلية (التي هي ضمانة المتهم) مجرد تفاصيل ثانوية، وهو ما يتناقض واقعاً وتطبيقاً مع المادة (19) من الدستور – (أولاً- رابعاً- وسادياً- وثالث عشر ) .
المادة 249/ج (تحصين القرارات الإعدادية): إن منع الطعن استقلالاً في القرارات الإعدادية (مسائل الاختصاص، القرارات الإدارية) يعطل رقابة محكمة التمييز. فالمتهم قد يُظلم بقرار إعدادي خاطئ، وعليه أن ينتظر حتى صدور القرار الفاصل ليطعن به، وهذا "تسويف" يضر بجوهر العدالة.
رابعاً: نصوص قانون العقوبات المطلوب إلغاؤها أو تعديلها، لحماية الحريات الدستورية، لابد من تدخل تشريعي عاجل لإلغاء أو استبدال المواد التالية : المواد (225، 226، 227، 228): المتعلقة بإهانة السلطات والموظف العام؛ حيث يجب تحويلها من جرائم "حبس" إلى "غرامات مدنية" فقط مع تضييق مفهوم (الإهانة) ليقتصر على التحريض المباشر، والمادة (372/ خامساً): لضمان عدم استخدامها كغطاء للتضييق على الحريات الفكرية والدستورية .
الخاتمة: علوية الدستور فوق النص الإجرائي ،إن استقرار الدولة يبدأ من استقرار "جوهر الحق". إن الإصرار على الدفاع عن نصوص وضعت في ظل دستور 1970 المؤقت (الذي ألغى المحكمة الدستورية حينها هو ارتداد عن المسار الديمقراطي. إننا بحاجة إلى نضال حقوقي مستمر، يشارك فيه الجميع من الأكاديميون والمحامون والمنظمات المحلية والدولية ، لغرض الضغط نحو إلغاء هذه النصوص "المتخلفة" عن ركب حقوق الإنسان، وضمان أن يكون القانون خادماً لإرادة الشعب، لا أداة في يد السلطة .
المصادر :
1.قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل
2.قانون اصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل
3.قرار المحكمة الاتحادية العليا / رقم 3/اتحادية/ اعلام /2018 / الطاعن بالنص القانوني المحامي أحمد فاضل اسماعيل .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اعتقال نجل مالك -مانغو- للأزياء العالمية للاشتباه بقتل والده


.. تونس: المحامون يتظاهرون من أجل استقلال القضاء وضمانات لمحاكم




.. عاجل | المندوب الإماراتي لدى الأمم المتحدة: استهداف المنشآت


.. سموتريتش: مذكرات اعتقال المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين




.. واللا عن مصدر أمني: السيطرة على أكثر من 40 سفينة واعتقال أكث