الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حكاية الميت الأخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة العشيرة / قصة قصيرة

عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)

(Boutaib Abderrahman)

2026 / 3 / 28
الادب والفن


على جاري عادته، خرج قبيل منتصف النهار من لحده الضيق لاحتساء أول فنجان قهوة يومية له في مقهى رأس الدرب القديم... من جاري عادته السهر ليلا إلى مطلع فجر... النهار عدوه القديم... يكره العيونَ تتسع أحداقها نهارا وهي تترصد فريسة تكون مادة دسمة لخبر ينتشر في دروب المدينة العاهرة، وزقاقات ضيقات منها، تؤدي إلى كهوف تسكنها أشباح هدّها طوافٌ فارغ في أسواق فارغة إلا من تداول قصص تتسلل سرا وعلانية من مقهى مظلمةٍ شاحبةِ مصابيح باهتة ووجوهٍ عابسة... فنجان قهوته المحسوبة منه ظلما وعدوانا على صباح ليس منه صباح تتسلى معه بتصفّح صفحات جرائد يومية وأسبوعية وشهرية ودهرية أزلية لم تعد تجد من يسعى بعرق جبينه لاقتنائها من أشكاك موصدة بقرار حكم بإفراغ بداعي تماطل مبين في تسوية متأخر سومة كراء... قهوته المتسخة يؤدي واجب طلبها بدراهم صدئة تظهر كأنها مزورة للنادلة المصبوغة، من أعلى شعرة في رأسها المتضخم إلى أسفل نقطة في دقنها الذي لم يعرف طريقه إلى قاعة حلاقة مجانية بأقدم أنواع صباغة شعر ووجوه مقتناة، دون عناية، من برّاكة عطار الحي القديم... جرائد المقهى الفارغة من كل جديد مفيد مجانية... مطروحة في الطريق كأنها أفكار بئيسة تنتظر كاتب قصة قصيرة جدا جدا جدا، أو قصة قصيرة على كل حال، أو ربما رواية طويلة جدا جدا جدا لم تجد لها شكل سرد مناسب يخرق مألوف اشتغالات سرديةٍ ما وراء عجيزةِ حداثةٍ تقليدية جدا جدا جدا... رواد المقهى المتغيبون دوما لا يزاحمونه في تكديس كل الجرائد المنسية على طاولة منخورة قوائم منزوية خلف صندوق تحصيل مداخيل لا تدخل إلى جوف منه وجوف من نادلة مصبوغة بصباغة عَطّاريّة مشكوك في موادها الأولية كما هي مواد صحف فارغة من جديد وفائدة، وبقايا قهوة سوداء باردة مجهولة الأصل والفصل... القهوة المغشوشة يحلو مذاقها وتجود عليه بنكهتها الغريبة مع رشفات أخبار مغشوشة تنام على صدر جرائد منسية، وعجيزة مرتخية منها، وسط نهار هو بالنسبة له صباح مغشوش... "لا بأس، الغش مهارة مربحة في زمن كساد وجفاف أعواد عباد، لعبة مشوقة لا يتقنها إلا جَدُّ الغشاشين الحداثيين"... هو لا يتذكر متى استعمل هذه الجملة المغشوشة أول مرة... دماغه الناشف لا يقوى على إحراق أعواد طاقة باردة برودة أخبار الناس في ظهيرة يتوهم أنها صباح جديد... "القهوة تبرد أستاذ"... التفت إلى المصبوغة وقد وصله تنبيهها المغشوش المنطوي على شماتة سوداء كهقوته الباردة... "من كذب عليكِ؟"... قالها وهو يحرك قهوته القديمة في فنجانه القديم للمرة العاشرة، أو ربما العشرين... تساءلتْ بتهكم غير مستور: "أية كذبة أستاذ؟"... دون أن يتوقف عن تحريك قهوته رد عليها ببروده المعتاد: "كذبة... أستاذ"... ابتسمت، غمزته بعين حمراء من ثمالة قهوة قديمة، وقالت من بين أسنانها الصفراء المهترئة: "أستاذنا هو الوحيد الذي يتكرم علينا بتصفح جرائدنا المجانية"... لم تنتظر منه ردا على جاري عادتها... عادت إلى صندوقها الفارغ... عاد إلى بحث عن جواب لسؤال قديم: "متى يكتب قصته الأولى، أو روايته الأولى... أو حتى حكايته الأولى؟"... دماغه الناشف لا يسعفه بجواب هو لا ينتظره أصلا... الناس في حيه القديم المغشوش مشغولون بِكَدٍّ وسعايةٍ عن كتابة وقراءة منذ زمان... الأكشاك موصدة أبواب... الإفراغ حكم نهائي صادر عن محكمة موقرة في جلسة نقض وإبرام نهائية... الكتابة حرفة مغشوشة... الأفكار مطروحة في الطريق... الأشكال حربائية... السرد الكائن مخادع... السرد الممكن حلم ممتنع معاند... "الكتابة حرفة من لا حرفة له"... هكذا كان يحدث نفسه على جاري عادته... لا ينتظر أن يحدث غيرَه بما في نفسه المنزوية عن أنظار عشاق تصيد أخبارِ قراءِ أعماله التي لم يسهر على فبركتها لهم بعد... لا داعي للسرعة... يشرع في الكتابة غدا... وبعد غد يطوف بأوراقه الشاحبة على مطبعات طباعة أوراق لا تباع ولا تشترى... مطبعات لم تطبع له بعدُ قصةً أو رواية... السرعة تقتل... التوقيعات المجانية مضمونة... فقط، قراءة أعماله التي لم يكتبها بعد مسألة فيها نظر... مؤكد أنها غير مضمونة... "القراءة حرفة من لا حرفة له"... هكذا حدث نفسه... العناوين الموقعة مجانا تعرف طريقها إلى بائع فول وعدس... المدينة لا تضيّع وقتَ الناس في كتابة وقراءة... الناس مشغولون ليل نهار بفول وعدس... وبتصيد أخبار غير مطروحة في طريق... "ما العمل؟"... سؤال يردده على جاري عادته وراء لينين الأحمق... سؤال أحمق من طارحه الأول الأحمق... الحمق أقصر طريق لتغيير عالمِ ناسٍ وكتابةٍ على أوراق لا تُقرأ... الجرائد المجانية في المقهى الخاوية على عروشها تنزوي وراء صندوق فارغ لنادلة مصبوغة شعر ووجه بصباغة عطارية مغشوشة... المدينة العاهرة فارغة... أسواق الناس الباردة كاسدة... الأكشاك مقفلة بحكم مقضي بمنطوقه ومنطقه الذي لا يُرَدّ... القصص والروايات لم تكتب بعد... الأقلام الرصاصية لا تعرف طريقها إلى مبراة... لا داعي للسرعة... غدا يكتب قصته الأولى، أو روايته الأولى، أو حتى حكايته الأولى تحكي عن ميت أخير يهرب من لحده المنسي في مقبرة عشيرة إلى مقهى فارغة... يحتسي قهوة مغشوشة، ويتصفح جرائد مجانية لم يلطخ بياضَ صفحاتها العذري حرفٌ واحد من حروفه، التي لم تولد بعد، بحبر أسود... ولو مغشوش... لا داعي للسرعة... السرعة سهم قاتل مغشوش... هذا ما جاء في نشرة آخر أخبار السوق الفارغة... فلا داعي للسرعة... وضع جرائد المقهى على طاولة منخورة قوائم... وضع فنجان القهوة القديم على كومة الجرائد التي لم يقرأ منها حرفا... وضع رجله على رصيف مترب بلا بلاط... اتجه نحو لحده القديم... بصره مركز على الطريق كأنه يبحث عن أفكار متلاشية مطروحة قابلة للتدوير.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شوف بنت هند صبري مين أكتر فنانة بتحبها??


.. أون سيت - اعرف سبب نجاح مسلسل صحاب الأرض مع الفنان إياد نصار




.. أون سيت - هل إياد نصار من الممثلين الي بتحضر للشخصية ؟


.. مهرجان كان السينمائي: المخرج الإيراني أصغر فرهدي يعود إلى ال




.. مهرجان كان السينمائي- لماذا يبدو الحضور العربي خجولا في هذه