الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إيفان بافلوف في فكر نوري جعفر الفسيولوجي والسلوك الإنساني
نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث
(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)
2026 / 3 / 29
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم يكن اهتمام د. نوري جعفر بعلم النفس والفكر الإنساني منفصلاً عن العلوم الطبيعية، بل انطلق من قناعة راسخة بأن فهم الإنسان لا يتحقق إلا عبر دراسة الأسس الفسيولوجية لنشاطه العقلي. من هنا جاء انفتاحه العميق على منجزات إيفان بافلوف، الذي وضع حجر الأساس لدراسة السلوك على أسس تجريبية دقيقة من خلال نظرية المنعكسات الشرطية.
لقد رأى نوري جعفر في بافلوف ليس مجرد عالم فسيولوجيا، بل نقطة تحول في تاريخ الفكر العلمي، حيث انتقل البحث من التأمل الفلسفي المجرد إلى التحليل المختبري القائم على الملاحظة والتجريب.
في مجال الصراع التاريخي بين العلم واللاعلم، يؤكد نوري جعفر أن تاريخ العلم هو في جوهره تاريخ صراع بين التفسير العلمي والتفسيرات اللاعلمية، وهو صراع لم يكن معرفياً فقط، بل كان مرتبطاً بالبنى الاجتماعية والاقتصادية.
ففي حين بدأ هذا الصراع في علوم بعيدة نسبياً عن الإنسان مثل الفلك والفيزياء، فإنه بلغ ذروته عند دراسة الإنسان نفسه، حيث اصطدمت المناهج العلمية بالتصورات الميتافيزيقية التي كرّست الثنائية بين العقل والجسد، كما نجد عند رينيه ديكارت.
في هذا السياق، يمثل بافلوف لحظة حاسمة، إذ أعاد توحيد الإنسان بوصفه كائناً بيولوجياً متكاملاً، يخضع نشاطه العقلي لقوانين يمكن دراستها علمياً. وقد وجد نوري جعفر في هذا التحول أساساً لبناء علم نفس علمي يتجاوز النزعات التأملية.
أما المنعكسات الشرطية وإعادة تعريف السلوك، يعدّ مفهوم المنعكسات الشرطية حجر الزاوية في فكر بافلوف، وقد أعاد نوري جعفر توظيف هذا المفهوم في تفسير السلوك الإنساني ضمن إطار أوسع.
فالمنعكس الشرطي، في جوهره، هو استجابة مكتسبة تنشأ نتيجة اقتران مثير معين باستجابة بيولوجية. غير أن نوري جعفر لم يتوقف عند هذا التفسير البيولوجي، بل وسّعه ليشمل البعد الاجتماعي، حيث تصبح البيئة الثقافية والاجتماعية مصدراً رئيسياً لتشكيل هذه المنعكسات.
وبهذا المعنى، فإن الأفكار والمعتقدات والسلوكيات ليست معطيات فطرية ثابتة، بل هي نتاج تاريخ من التفاعلات بين الفرد وبيئته. وهذا ما يفسر، في نظره، الفروق الكبيرة بين المجتمعات، رغم التشابه الفسيولوجي بين الأفراد.
فضلاً عن أن المنهج البافلوفي في فكر نوري جعفر لم يقتصر تأثره ببافلوف على الجانب النظري، بل امتد إلى المنهج العلمي ذاته. فقد تبنى جملة من المبادئ التي عدّها أساسية في البحث العلمي، منها:
- التدرج في البحث: من الظواهر البسيطة إلى المعقدة.
- التمحيص الدقيق: وعدم الاكتفاء بالملاحظات السطحية.
- الاعتماد على الحقائق: بوصفها أساسًا لكل بناء نظري.
- المرونة الفكرية: في تعديل الفرضيات وفق المعطيات الجديدة.
انعكس هذا المنهج في أعماله، حيث سعى إلى تقديم تفسير علمي للفكر الإنساني، قائم على الربط بين النشاط العصبي والبيئة الاجتماعية.
من هنا نجد أن الفسيولوجيا إلى الاجتماع كان هناك توسيع في الدائرة، من أبرز إسهامات نوري جعفر ذلك أنه لم يحصر المنعكسات الشرطية في إطارها البيولوجي، بل نقلها إلى مجال التحليل الاجتماعي. فهو يرى أن المجتمع، بما يتضمنه من نظم وقيم وعلاقات، يسهم في تشكيل أنماط الاستجابة لدى الأفراد، بحيث تتحول هذه الأنماط إلى بنى فكرية وسلوكية مستقرة.
بذلك، يصبح الفكر الإنساني انعكاساً معقداً لتفاعل مستمر بين الدماغ والبيئة، وهو ما يفسر التنوع الثقافي والفكري بين المجتمعات.
أما جانب نقد النزعات اللاعلمية فيرى نوري جعفر انطلاقًا من تأثره ببافلوف، وجّه نقداً حاداً للنزعات اللاعلمية في تفسير السلوك، سواء تمثلت في النزعة الميكانيكية السطحية أو في الاتجاهات النفسية التي تهمل الأساس الفسيولوجي. كما انتقد محاولات تشويه الفكر البافلوفي، سواء في بعض الاتجاهات السلوكية الغربية المرتبطة بـجون واطسون، أو في النزعات الميكانيكية التي اختزلت الإنسان في استجابات آلية. وقد سعى إلى تقديم قراءة متوازنة، تحافظ على الطابع العلمي للنظرية، دون الوقوع في الاختزال أو التبسيط.
في البعد التربوي والمعرفي نجد جعفر يرتبط فكره البافلوفي ارتباطاً وثيقاً بالتربية والتعليم. فهو يرى أن بناء الفكر لا يتم عبر التلقين، بل من خلال تهيئة بيئة غنية بالمثيرات التي تسهم في تشكيل استجابات معرفية سليمة. ومن هنا، دعا جعفر إلى:
- تطوير المناهج التعليمية على أسس علمية.
- الاهتمام بالبيئة الاجتماعية للمتعلم.
- تعزيز التفكير النقدي بدل الحفظ والتلقين.
وبذلك، يصبح التعليم عملية تشكيل واعٍ للمنعكسات الفكرية، لا مجرد نقل للمعلومات.
واعتبر جعفر في منهجه الفكري أن بافلوف نموذجاً للأخلاق العلمية، فلم يكن إعجابه ببافلوف علميًا فقط، بل أخلاقياً أيضاً. فقد رأى فيه نموذجاً للعالم الذي يجمع بين الدقة العلمية والتواضع الفكري، وبين الإصرار على البحث والانفتاح على النقد. وقد اعتبر هذه الصفات ضرورية لبناء تقليد علمي حقيقي في العالم العربي، قائم على النزاهة والمثابرة.
خاتمة:
يمكن القول إن نوري جعفر أعاد قراءة بافلوف ضمن مشروع فكري أوسع، يهدف إلى تأسيس علم إنساني يقوم على التكامل بين البيولوجيا والمجتمع. فالمنعكسات الشرطية، في هذا الإطار، ليست مجرد ظاهرة فسيولوجية، بل مفتاح لفهم الفكر الإنساني في سياقه التاريخي والاجتماعي. وبذلك، أسهم جعفر في نقل الفكر العلمي من مستوى التخصص الضيق إلى أفق أوسع، يربط بين الدماغ والثقافة، وبين الفرد والمجتمع، في محاولة لفهم الإنسان بوصفه كائناً معقداً يتشكل عبر التفاعل المستمر مع العالم من حوله.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد استهداف محطة براكة.. هل خرجت الميليشيات الإيرانية في الع
.. هل يصبح أحمد الأسير خارج السجن؟ وما مصير قانون العفو العام ف
.. جولة الصحافة| وول ستريت جورنال: شكوك بشأن التوصل إلى تسوية ق
.. نقاش الساعة - مصير هرمز.. هل تتراجع إيران عن السيطرة الكاملة
.. المتحدث باسم أسطول الصمود: ما يتعرض له الشعب الفلسطيني أفظع