الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
-الارتهان للمؤسسات المانحة- وتأثير ذلك على التوظيف والأجور.
إكرام فكري
2026 / 3 / 29الادارة و الاقتصاد
تعد “كتلة الأجور” في الميزانيات الحديثة من أكثر الملفات إثارة للجدل، ليس فقط لأنها رقم كبير ضمن نفقات الدولة، بل لأنها تقع في قلب معادلة حساسة تجمع بين الاستقرار الاجتماعي والتوازنات المالية. فهي بالنسبة للمواطن تعني وظيفة، ودخلاً قاراً، وإحساساً بالأمان، بينما تنظر إليها المؤسسات المالية الدولية مكوناً من مكونات الإنفاق العمومي الذي يتطلب ضبطاً دقيقاً والتحكم في وتيرة نموه. غير أن حدة هذا النقاش لا تنفصل عن سياق أوسع يتمثل في تصاعد المديونية العمومية، حيث تجد الدولة نفسها أمام التزامات مالية متزايدة تفرض عليها إعادة ترتيب أولويات الإنفاق. ومن هنا يبرز الإشكال المركزي في كيفية الحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة في ظل ضغط الديون، دون أن تتحول كتلة الأجور إلى عنصر يحدّ من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
إن كتلة الأجور تتميز بكونها نفقات ثابتة يصعب تقليصها بسرعة، كما أنها تخضع لما يمكن وصفه بـ "الفخ التلقائي" أو "كرة الثلج"؛ فالأجور ليست رقماً ثابتاً، بل تتزايد بشكل آلي بفعل الأقدمية والترقيات والتعويضات، مما يجعلها محوراً أساسياً في أي برنامج إصلاح مالي تفرضه المؤسسات المانحة لضمان قدرة الدولة على السداد. وفي هذا الإطار، تشرع الدول في اعتماد "هندسة مالية" تعتمد على التقشف غير المرئي، من خلال سياسة الإحلال الجزئي التي تهدف لتقليص العدد الإجمالي للموظفين تدريجياً، مما يؤدي إلى شيخوخة الموارد البشرية وضغط العمل وتراجع تجديد الكفاءات داخل الإدارة.
بالموازاة مع ذلك، يتم الحد من التوظيف النظامي طويل الأمد مقابل توسيع حضور فئات مهنية ذات وضعيات مرنة، وهو ما يؤدي إلى نوع من “إغراق الإدارة” بالأعوان من حاملي الشواهد الذين يتم دمجهم في مهام تنفيذية لا تعكس مؤهلاتهم. هذا التوجه يخلق "إدارة برأس صغيرة وجسم مثقل بالهشاشة"، حيث يتم الاعتماد على عمالة رخيصة يسهل الاستغناء عنها، مما يؤثر على الدافعية المهنية وجودة الأداء. ويتزامن هذا التحول مع الانتقال نحو التوظيف بالتعاقد، حيث تتحول العلاقة بين الفرد والإدارة من انتماء وطني واستقرار مهني إلى علاقة تعاقدية جافة قائمة على الأداء والمدة الزمنية، مما يوفر مرونة مالية للدولة على حساب الأمن الوظيفي.
كما تلجأ الدولة إلى حيلة محاسبية ذكية للهروب من رقابة المؤسسات الدولية على "بند الأجور"، وذلك عبر توسيع نطاق "التعهيد" لخدمات كالحراسة والنظافة. ومن خلال إسناد هذه المهام لشركات خاصة، تتحول هذه النفقات من خانة الأجور إلى خانة "الخدمات والمعدات"، مما يجعل الميزانية تبدو "رشيقة" ومنضبطة أمام المقرضين، بينما تظل الخدمة مستمرة بضمانات اجتماعية أقل للعمال. إن هذه السياسات تعيد توزيع المخاطر من الدولة إلى المتعاقدين ثم إلى العمال أنفسهم، وتساهم في إضعاف الطبقة الوسطى التي كانت الوظيفة العمومية رافدها الأساسي. وفي نهاية المطاف، فإن إصلاح كتلة الأجور لا يمثل مجرد إجراء تقني، بل يشكل إعادة صياغة تدريجية للعلاقة بين الدولة والمواطن في ظل اقتصاد مثقل بالديون، حيث تتراجع وظيفة الحماية لصالح منطق السوق وتوازنات الميزانية الحربائية..
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. التصعيد في هرمز يبدد مكاسب صادرات النفط الخ
.. الرئاسي اليمني يتهم الحوثيين بجر البلاد لصراعات إقليمية ويعل
.. الحكومة تبدأ مناقشات وضع برنامج إصلاح اقتصادي وطني بعد مرحلة
.. يستكمل الإصلاحات بعد انتهاء مرحلة صندوق النقد الدولي.. تفاصي
.. جدال ساخن جدا.. ماذا كان سيفعل -عبد المنعم امام- لو كان رئيس