الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقارنة بين سيف هارون وشتائم السوشيال ميديا
صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي
2026 / 3 / 30
قضايا ثقافية
في السوشيال ميديا، لم يعد الاختلاف في الرأي مجرد نقاش عادي، بل أصبح اختبارًا حقيقيًا لأسلوب الناس وعقلياتهم.
فبين من يطرح فكرته بهدوء ويحاول الإقناع، ومن يندفع للهجوم وكأن كل رأي مخالف هو استفزاز شخصي… تتشكل صورة واضحة عن واقع المحتوى اليوم.
وعند النظر إلى نماذج مختلفة مثل سيف هارون وشتام، نلاحظ فجوة كبيرة في طريقة التعامل مع الجمهور والرأي الآخر.
فهل السوشيال ميديا أصبحت مساحة للحوار وتبادل الأفكار، أم تحولت إلى ساحة يعلو فيها الصوت على المنطق؟
يذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أن أبو معاوية الضرير عند الرشيد، جرى الحديث إلى حديث أبي هريرة أن موسى لقي آدم، فقال: "أنت آدم الذي أخرجتنا من الجنة؟"، فقال رجل قرشي كان عنده من وجوه قريش: "أين لقي آدم موسى؟" فغضب الرشيد وقال: "النطع والسيف! زنديق!" والله يطعن في حديث رسول الله.
وهنا تحول السؤال المشروع إلى جريمة تُقطع فيها الرؤوس لمخالفة أفكار هارون.
واليوم، يعيد مستخدمو منصات التواصل الاجتماعي إنتاج نفس الأسلوب، لكن بأدوات مختلفة.
فهذه التطبيقات لا تحتوي على سيوف، لذلك استبدلوها بالسبّ والشتم بمختلف أشكاله.
فإذا حاولت إعادة طرح رواية تراها خرافية أو غير منطقية، تجد الرد جاهزًا بأسلوب هجومي: أنت كافر، أنت ملحد، أنت ابن زانية.
وهنا تكمن الطامة الكبرى، خاصة إذا كان الشخص يحمل أفكارًا وآراء مختلفة عنهم.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما ذنب الأم في آراء ابنها؟
الأم تربي وتتعب وتبذل جهدها، لكنها ليست مسؤولة عن أفكاره أو قناعاته. فلماذا تُشتم إذًا؟
برأيي، هذا النوع من الشتم ما هو إلا سيف رمزي لإسكات صاحب الرأي.
ذلك لأن العقلية السائدة لا تتحمل الطعن في النسب أو التعرض للأم أو الأب، فيتحول النقاش من حوار فكري إلى هجوم شخصي هدفه الإلغاء لا الإقناع.
وعلى الرغم من أن جميع المعتقدات الدينية تدعو إلى الاحترام وترفض السبّ والشتم في النقاش، يبرز تساؤل مهم: على ماذا يستند هؤلاء الذين يجعلون من الشتيمة وسيلتهم في الحوار؟
في الحقيقة، ما يحدث لا يستند إلى الدين بقدر ما يستند إلى سوء فهمه أو توظيفه بشكل خاطئ.
فالدين، في جوهره، يدعو إلى الحكمة، والجدال بالتي هي أحسن، واحترام الآخر حتى في حال الاختلاف. لكن البعض يستبدل هذا المنهج بأسلوب هجومي يخلط بين الدفاع عن الفكرة والهجوم على الشخص.
كما أن جزءًا من هذه الظاهرة يعود إلى عوامل أخرى، مثل:
• ضعف القدرة على النقاش والإقناع
• التأثر بثقافة "الصوت الأعلى هو المنتصر"
• الرغبة في فرض الرأي بدل الحوار حوله
لذلك، فإن الشتيمة لا تعبّر عن قوة الموقف، بل غالبًا عن عجز في تقديم الحجة.
فمن يملك دليلًا، لا يحتاج إلى إساءة، ومن يثق بفكرته، لا يخاف من النقاش.
وكما قال إبراهيم الفقي:
"القدرة على النقاش بهدوء والحكمة في الرد أقوى من أي صراخ أو شتم."
في النهاية، لا يمكن أن يكون السبّ والشتم دليل قوة، ولا وسيلة حقيقية للدفاع عن أي فكرة أو معتقد.
فالاختلاف سيبقى جزءًا طبيعيًا من حياة الناس، لكن طريقة التعامل معه هي ما يكشف مستوى الوعي الحقيقي.
من يحوّل النقاش إلى هجوم، لا يحمي فكرته بل يضعفها،
ومن يلجأ للإساءة، إنما يعلن عجزه عن الإقناع.
يبقى السؤال الأهم:
هل نريد سوشيال ميديا تُبنى على الحوار والفهم، أم ساحة يُقصى فيها كل صوت مختلف؟
الجواب لا يظهر في الشعارات… بل في أسلوبنا حين نختلف.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل تنسف إسرائيل اتفاق غزة؟.. المتحدث باسم حركة فتح يكشف ما ي
.. موسكو تحذر لندن من -ثمن باهظ- عقب تقارير عن هجمات أوكرانية ب
.. طهران تنفي المباحثات المباشرة وتربط فتح هرمز بإنهاء الحصار
.. إسرائيل تقر رسميا بقصف مطار أبو الظهور في سوريا وتكشف السبب
.. وزارة الصحة: شهداء وجرحى في مجزرة للاحتلال على شاطئ بحر غزة