الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


أزمة مضيق هرمز، من المستفيد؟

ناضل حسنين
الكاتب الصحفي

(Nadel Hasanain)

2026 / 3 / 30
الادارة و الاقتصاد


رغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فإن هذه الثروة الهائلة لم تتحول تلقائيا إلى مصدر نفوذ اقتصادي سهل أو سريع. فالمشكلة لا تتعلق بحجم الاحتياطي فقط، بل بكلفة استخراجه وطبيعة النفط الفنزويلي الثقيل، الذي يحتاج إلى استثمارات ضخمة وتقنيات معقدة وبيئة تشغيل مستقرة حتى يصبح مجديا اقتصاديا.
من هنا، لا تبدو فنزويلا، بالنسبة إلى القوى الكبرى والشركات العملاقة، مجرد خزان نفطي جاهز للاستحواذ، بل مشروعا عالي الكلفة ومحفوفا بالمخاطر. إذ تشير تقديرات متداولة إلى أن كلفة استخراج البرميل الواحد من النفط الفنزويلي قد تتراوح بين 60 و70 دولارا، فيما تذهب بعض الحسابات إلى أن نقطة التعادل الفعلية قد تكون أعلى، إذا ما أضيفت إليها كلفة التكرير والنقل والبنية التحتية والعقوبات والمخاطر السياسية. وهذا يعني أن بقاء الأسعار العالمية قرب مستوى 70 دولارا لا يجعل الاستثمار في هذا النفط مغريا بالقدر الكافي، حتى لو حدث تحول سياسي يفتح الباب أمام الشركات الأمريكية أو الغربية للدخول بقوة إلى السوق الفنزويلية.
هنا تبرز فرضية تستحق التأمل: إذا كانت السيطرة على النفط الفنزويلي هدفا استراتيجيا بعيد المدى، فإن تحقيق هذا الهدف لا يرتبط فقط بتغيير النظام السياسي في كاراكاس، بل أيضا بتوفير بيئة أسعار عالمية تجعل هذا النفط مربحا. وبعبارة أوضح، فإن رفع سعر البرميل إلى حدود 100 دولار قد يحول النفط الفنزويلي من عبء استثماري إلى فرصة مغرية، لأنه يتجاوز نقطة التعادل ويمنح هامش ربح يسمح بتبرير ضخ الأموال في الاستخراج والتكرير وإعادة تأهيل القطاع النفطي هناك.
ضمن هذا المنطق، يصبح أي اضطراب جيوسياسي يؤدي إلى رفع أسعار النفط عالميا ذا أثر غير مباشر على الجدوى الاقتصادية للنفط الفنزويلي. ومن بين أبرز هذه الاضطرابات، الأزمة في مضيق هرمز حاليا، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. فالتوتر في هذا الممر البحري لا يهدد الإمدادات فقط، بل يدفع أيضا الأسعار إلى الصعود بفعل مخاوف الأسواق من نقص المعروض أو تعطل التدفقات. وإذا قفز السعر من 70 إلى 100 دولار، فإن الحسابات الاقتصادية في فنزويلا قد تتغير جذريا.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى ارتفاع أسعار النفط، الناجم عن أزمات جيوسياسية في مناطق حساسة كالخليج، بوصفه عاملا يخدم -ولو بصورة غير مباشرة- أي مشروع يستهدف إعادة توظيف الاحتياطي الفنزويلي ضمن المنظومة النفطية الغربية. فالربح هنا لا يتحقق بمجرد الإمساك بالحقول، بل حين يصبح النفط المستخرج قادرا على تغطية تكلفته وتحقيق عائد تجاري وسياسي في آن واحد.
غير أن هذا الطرح، رغم منطقه الاقتصادي الظاهر، لا يخلو من تعقيدات. فالولايات المتحدة، بصفتها قوة اقتصادية كبرى، لا تستفيد على نحو مطلق من ارتفاع النفط، لأن الأسعار المرتفعة تضغط أيضا على المستهلك الأمريكي، وترفع كلفة الطاقة والنقل والإنتاج داخليا، وقد ترتد سلبا على النمو والتضخم. لذلك، فإن الحديث عن "مصلحة أمريكية" في ارتفاع الأسعار يجب أن يفهم ضمن إطار مصالح متداخلة ومتعارضة بين الدولة كمؤسسة، والشركات النفطية كمستثمر، والأسواق كمجال حساس لأي صدمة في الأسعار.
كذلك، فإن تحويل فنزويلا إلى مصدر مربح للطاقة لا يتوقف على السعر وحده. فهناك بنية تحتية متهالكة، وعقوبات، ونقص في الاستثمارات، وتراجع في الكفاءات، ومشكلات لوجستية وتقنية تحتاج إلى سنوات من العمل ورؤوس أموال ضخمة. لذلك، فإن ارتفاع الأسعار قد يكون شرطا مهما، لكنه ليس الشرط الوحيد.
مع ذلك، تظل الفكرة الأساسية قائمة: النفط الفنزويلي لا يصبح جائزة استراتيجية حقيقية إلا إذا توافرت له معادلة مزدوجة، تجمع بين التحول السياسي من جهة، وارتفاع السعر العالمي من جهة أخرى. وعندئذ فقط، يمكن أن تنتقل فنزويلا من كونها "أكبر احتياطي معطل" في العالم إلى مشروع استثماري مربح للقوى القادرة على الإمساك به.
في النهاية، قد لا يكون ارتفاع أسعار النفط هدفا قائما بذاته في كل أزمة، لكنه بالتأكيد يبدل حسابات الربح والخسارة في مناطق مثل فنزويلا، حيث تتحكم الكلفة العالية في تحديد من يربح من الاحتياطي الأكبر في العالم، ومن يبقى عاجزا عن تحويله إلى ثروة فعلية.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على


.. برفقة 12 وزيرا.. رئيس الوزراء الفرنسي يبدأ زيارة إلى المغرب،




.. قراءة اقتصادية | كيف يؤثر إغلاق هرمز على حركة السفر في أوروب


.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف




.. الناطق باسم الحكومة العراقية للجزيرة: الاقتصاد اليوم هو التح