الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
فندق الفرح في أربيل… معلم تراثي بين الذاكرة الاجتماعية ودلالات النضال (1910 – 1979)
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
2026 / 3 / 31دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
المكان حين يتحول إلى ذاكرة حيّة:
في المدن العريقة، لا تُقاس قيمة الأمكنة بما تحمله من حجارة فحسب، بل بما تختزنه من معانٍ وتجارب إنسانية تتراكم عبر الزمن. وفي هذا السياق، يبرز "فندق الفرح" في أربيل بوصفه أحد المعالم التي تجاوزت وظيفتها الخدمية لتغدو جزءًا من الذاكرة الجمعية للمدينة. فقد نشأ هذا الفندق على السفح الجنوبي الشرقي لقلعة أربيل، قرب سوق القيصرية، حيث تتقاطع الحركة التجارية مع الحياة الاجتماعية، ليشكّل فضاءً حضريًا نابضًا بالحياة، يجمع بين الضيافة والتفاعل اليومي، ويعكس في الوقت نفسه تحولات أربيل خلال القرن العشرين.
أولًا: النشأة والتكوين المعماري (1910 – 1930)
تأسس "فندق الفرح" في الفترة الممتدة بين عامي 1910 و1930، في أواخر العهد العثماني، وهي مرحلة شهدت فيها أربيل تحولات عمرانية واجتماعية مهمة. وقد جاء بناء الفندق متأثرًا بالطراز المعماري العثماني، الذي تجلّى بوضوح في الأقواس الحجرية (العقود) الممتدة في الطابق الأرضي، والواجهة المنتظمة ذات الإيقاع المتوازن، والشرفات المطلة على الشارع في الطابق العلوي. كما انسجم المبنى مع سفح القلعة وتدرجاتها، بحيث بدا وكأنه امتداد طبيعي لها، لا بناءً منفصلًا عنها.
وقد تكوّن الفندق من طابقين رئيسيين، حيث خُصص الطابق الأرضي للدكاكين التجارية التي تنفتح على الشارع، وتشكل جزءًا من النشاط الاقتصادي لمدينة أربيل، بينما احتضن الطابق الثاني "فندق الفرح"، بما يضمّه من غرف وصالة جلوس وشرفة، الأمر الذي يعكس تداخل الوظيفة الاقتصادية مع الوظيفة الاجتماعية في بنية عمرانية واحدة.
ثانيًا: التنظيم الداخلي ووظيفة المكان
جاء التنظيم الداخلي للفندق بسيطًا، لكنه معبّر عن طبيعة الحياة في تلك المرحلة. فقد توزعت الغرف على جانبي المبنى، حيث ضمّ الجانب الأيسر إحدى عشرة غرفة مخصصة للمسافرين، بينما امتد الجانب الأيمن ليشمل غرفًا مرقمة من (12) إلى (19)، دون وجود الرقم (13)، في انعكاس واضح لثقافة شعبية تتجنب التشاؤم.
وفي قلب هذا التنظيم كانت صالة الجلوس، التي تطل على الشارع الرئيسي، وتؤدي دورًا محوريًا في جمع النزلاء والزوار، بينما كانت الشرفة تمثل نقطة مراقبة لحركة المدينة وتبدلاتها اليومية. أما السطح، فقد كان يتحول في ليالي الصيف إلى فضاء مفتوح للنوم، حيث يستلقي المسافرون تحت السماء، في مشهد يجمع بين البساطة والسكينة، ويعكس نمط العيش في المدن التقليدية.
ثالثًا: سجل الملكية والإدارة حتى عام 1958
تعود ملكية "فندق الفرح" إلى المرحوم عبد الرحمن الجلبي، الذي كان من الشخصيات المعروفة في أربيل، وقد مثّل تأسيس الفندق جزءًا من نشاط اقتصادي واجتماعي لعائلته. وبعده تعاقب على إدارة الفندق عدد محدود من أفراد العائلة، كان من أبرزهم الحاج جميل الجلبي، الذي حافظ على استمرارية عمل الفندق ضمن إطاره التقليدي.
غير أن التحول الحقيقي في تاريخ الفندق بدأ عام 1958، حين تولّى إدارته الحاج خليفة عثمان الجلبي، وهو ما شكّل نقطة انعطاف مهمة نقلت الفندق من كونه مكانًا للخدمة إلى فضاء أكثر تأثيرًا في الحياة الاجتماعية والسياسية.
رابعًا: الحاج خليفة عثمان الجلبي… الإدارة بوصفها مسؤولية اجتماعية
مع تولّي الحاج خليفة عثمان الجلبي إدارة الفندق عام 1958، دخل "فندق الفرح" مرحلة جديدة اتسمت بوضوح البعد الإنساني في الإدارة. فقد كان الحاج خليفة رجلًا يجمع بين الصرامة في الموقف والرحمة في التعامل، فلم ينظر إلى الفندق كمصدر رزق فقط، بل كمسؤولية اجتماعية تجاه الناس.
فتح أبواب الفندق لمختلف فئات المجتمع دون تمييز، فكان يستقبل التاجر والمثقف وشيخ العشيرة والعامل البسيط، كما جعل من المكان ملاذًا للفقراء وعمّال البناء، مما أكسبه احترامًا واسعًا في المجتمع الأربيلّي. وهكذا تحوّل الفندق في عهده إلى ما يشبه "الديوان الحضري"، حيث تتلاقى فيه الأفكار قبل أن تتلاقى المصالح.
خامسًا: الفندق كفضاء اجتماعي وسياسي في الستينيات والسبعينيات
ابتداءً من ستينيات القرن العشرين، ومع تعقّد الأوضاع السياسية في العراق، اكتسب "فندق الفرح" بعدًا يتجاوز وظيفته الاجتماعية، ليصبح فضاءً غير معلن للنشاط السياسي. فقد شهد الفندق اجتماعات سرية، خاصة للخلايا التنظيمية الداخلية، مستفيدًا من موقعه الحيوي وطبيعته المفتوحة التي لا تثير الشبهات.
كما استقبل الفندق شخصيات بارزة في الحياة السياسية والاجتماعية، مثل الملا مصطفى البارزاني، وجلال طالباني، والمؤرخ محمد رشيد عوني بك، والحاكم إحسان مصطفى آغا الوالي، إضافة إلى عدد من شيوخ العشائر والتجار. وقد أسهم هذا الحضور في ترسيخ مكانة الفندق بوصفه أحد المراكز غير الرسمية التي لعبت دورًا في الحراك الوطني الكردي.
سادسًا: الشهيد جلال عثمان الجلبي… جيل يتكوّن داخل المكان
في هذا المناخ نشأ جلال عثمان الجلبي (مواليد 1952)، الذي لم يكن مجرد مساعد لوالده في إدارة الفندق، بل كان ابنًا لمرحلة تتشكل فيها الأفكار والمواقف. وقد تأثر جلال بالبيئة الاجتماعية والسياسية التي وفرها الفندق، حيث كان شاهدًا على النقاشات واللقاءات التي تدور فيه.
انخرط جلال مبكرًا في العمل السياسي، وانتمى إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1964، مؤمنًا بقضية شعبه، ليجسّد نموذج الجيل الذي نشأ في فضاءات مفتوحة على الوعي والتجربة. وقد انتهت مسيرته بالشهادة، ليبقى اسمه مرتبطًا بتاريخ النضال في أربيل.
سابعًا: الفندق كرمز لعائلة الجلبي ودلالات النضال
مع مرور الزمن، لم يعد "فندق الفرح" مجرد معلم عمراني، بل أصبح رمزًا يرتبط بسيرة عائلة الجلبي، التي جمعت بين الدور الاجتماعي والموقف السياسي. فقد تداخلت سيرة الحاج خليفة عثمان الجلبي مع سيرة ابنه الشهيد جلال، ليشكّلا معًا نموذجًا لعائلة ارتبط اسمها بالمكان، وتحول المكان بدوره إلى رمز لنضالها.
وهكذا، أصبح الفندق يحمل دلالات تتجاوز حدود البناء، ليعبّر عن مرحلة من تاريخ المدينة، وعن قيم الكرامة والتضحية التي تجسدت في سيرة من ارتبطوا به.
ثامنًا: النهاية المأساوية… هدم الفندق عام 1979
في عام 1979، ومع تصاعد التوترات السياسية، أقدمت السلطات على هدم "فندق الفرح" قسرًا، دون السماح لصاحبه بإخراج مقتنياته. وقد شكّل هذا الحدث نهاية مادية لمعْلم حضري مهم، ومحاولة لطمس فضاء ارتبط بالحياة الاجتماعية والسياسية للمدينة.
سقطت جدران الفندق، لكن ما احتوته من ذكريات وتجارب لم يسقط، بل بقي محفوظًا في ذاكرة من عايشوه، وفي الروايات التي تناقلها أهل أربيل.
خاتمة: الذاكرة التي لا تُهدم
بين عام 1910 حين تأسس الفندق، وعام 1958 حين دخل مرحلة التحول مع الحاج خليفة عثمان الجلبي، وعام 1979 حين هُدم، يختصر "فندق الفرح" مسارًا كاملًا من تاريخ أربيل. لقد جمع بين الضيافة والتواصل، بين الحياة اليومية والحراك السياسي، وبين المكان والإنسان.
وهكذا، فإن "فندق الفرح" لم يكن مجرد مبنى اندثر، بل تجربة حضرية متكاملة، تؤكد أن الأمكنة، حين ترتبط بالقيم والمواقف، تتحول إلى ذاكرة حيّة لا يمكن هدمها، مهما غابت معالمها المادية.
إهداء
إلى روح الحاج خليفة عثمان الجلبي،
وإلى روح الشهيد جلال عثمان الجلبي،
وإلى كل من مرّ من هذا المكان،
وترك فيه أثرًا لا يُمحى.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الحرس الثوري: على السفن تجنب العبور من الممرات غير المسموح ب
.. غارات وتدمير جنوبي لبنان وحزب الله يطالب بإنهاء المفاوضات
.. هيئة البث: الجيش الإسرائيلي يستعد لتقليص قواته في جنوب لبنان
.. نشرة إخبارية | العليمي: نشيد بتحرير وتأمين -حيس-.. وأميركا:
.. الأسلحة الكيميائية تعيد رسم الحسابات الدولية في حرب السودان.