الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا تخاف الدولة من الفكرة؟
ديار كاظم
2026 / 3 / 31اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
مدخل
لم يكن الصراع بين الفكر والسلطة صراعاً عابراً في تاريخ البشرية، بل يكاد يكون قانوناً ثابتاً في تطور المجتمعات. فالسلطة تبحث دائماً عن الاستقرار، بينما يسعى الفكر إلى السؤال والتغيير؛ والسلطة تميل إلى اليقين، في حين يعيش المثقف داخل الشك والنقد. ومن هنا تبدأ المعضلة: كلما حاول العقل إعادة تفسير الواقع، شعرت السلطة بأن وجودها مهدد، لا لأن المثقف يملك القوة، بل لأنه يملك القدرة على إعادة تعريف الشرعية نفسها.
صراع الصورة: كيف تُصنع العزلة حول المثقف
لم تكن العلاقة بين المثقف والسلطة علاقة طبيعية أو مستقرة عبر التاريخ، بل اتسمت في أغلب مراحلها بالتوتر والريبة. فالسلطات ذات البنية المتخلفة غالباً ما تسعى إلى خلق صورة سلبية عن المثقف، فتقدّمه للمجتمع بوصفه شخصاً كثير الجدل ومزعجاً، وتُصوّر أفكاره على أنها غريبة وغير منسجمة مع القيم الاجتماعية. وبهذه الطريقة يتحول المثقف من عنصر إصلاح إلى مصدر شك داخل المجتمع، وتصبح محاربته أمراً مقبولاً اجتماعياً.
وقد ظهر هذا الأسلوب بوضوح خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، حين استخدمت قوى دينية وإقطاعية حملات دعائية لتشويه صورة الشيوعيين. لم تكن المواجهة فكرية بقدر ما كانت أخلاقية، حيث نُسبت إليهم اتهامات تمس الدين والقيم الاجتماعية، مثل الادعاء بأنهم معادون للدين أو منحلون أخلاقياً. لم يكن الهدف حماية الأخلاق بقدر ما كان منع انتشار أفكار اجتماعية جديدة تهدد البنية الاقتصادية والسياسية القائمة.
الدعاية كأداة سياسية
في تلك المرحلة، مثّل الفكر اليساري مشروعاً لتحرير المجتمع من هيمنة الرأسمالية، وطرح نفسه بوصفه أداة لتحرر الشعوب الواقعة تحت السيطرة. لذلك تحولت الدعاية إلى سلاح سياسي لعزل هذه الأفكار عن المجتمع، ودفع الناس إلى الخوف منها بدل مناقشتها. ولم يكن هذا الصراع محلياً فقط، بل كان جزءاً من مواجهة أيديولوجية عالمية، حيث جرى في الولايات المتحدة مثلاً حظر الحزب الشيوعي قانونياً، وأصبح الانتماء إليه يُنظر إليه كتهديد مباشر للنظام الرأسمالي.
الخوف المتبادل بين الأيديولوجيات
يكشف التاريخ أن الرأسمالية نفسها كانت تخشى قوة الفكر المنافس. فالكثير من الدول المرتبطة سابقاً بالمعسكر السوفيتي شهدت لاحقاً تحولات سياسية وثقافية عميقة، لم تقتصر على تغيير الأنظمة، بل امتدت إلى أنماط الحياة اليومية والثقافة العامة، من انتشار الثقافة الاستهلاكية والوجبات السريعة والموسيقى الحديثة، إلى انشغال المجتمعات بوسائل الترفيه والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الشرق الأوسط: سلطة بلا قاعدة فكرية
في الشرق الأوسط، ازدادت فجوة الثقة بين المثقف والسلطة بسبب طبيعة الأنظمة السياسية التي وصلت إلى الحكم غالباً عبر الانقلابات العسكرية أو التحولات العنيفة أو التدخلات الخارجية. في مثل هذه السياقات، اعتمدت السلطة على القوة أكثر من اعتمادها على الفكر، مما أدى إلى تهميش المثقف وإبعاده عن عملية صنع القرار.
حين يقود المثقف السياسة
على النقيض من ذلك، شهدت الدول المتقدمة اندماجاً نسبياً بين الفكر والسياسة، حيث أصبح المثقفون جزءاً من بنية الدولة وصناعة القرار. فالسياسة الحديثة لا تقوم فقط على إدارة السلطة، بل على فهم عميق للتاريخ والمجتمع والثقافة والدين، وهي مجالات تشكّل جوهر العمل الفكري.
مدرسة فرانكفورت ونقد الحداثة الرأسمالية
مثّلت مدرسة فرانكفورت نموذجاً بارزاً لدور المثقف النقدي، إذ سعت إلى إعادة صياغة النظرية الماركسية بما ينسجم مع التحولات الصناعية والتكنولوجية الحديثة. وانتشرت أفكارها في أوروبا وأسهمت في ظهور نماذج الديمقراطية الاجتماعية التي حاولت تحقيق توازن بين العدالة الاجتماعية والاقتصاد الحديث.
العراق اليوم: أزمة فكر قبل أن تكون أزمة سياسة
أما في العراق اليوم، فتبدو الأزمة قبل كل شيء أزمة فكر وإبداع. فما يزال جزء من العقل السياسي أسير أنماط تقليدية قائمة على التراتبية الشخصية واحتكار السلطة والمعرفة، حيث يُنظر إلى الحكم باعتباره امتيازاً لا مسؤولية. وفي ظل هذا الواقع، تُهمَّش المؤسسات الثقافية والفنية التي يفترض أن تمثل قوة ناعمة قادرة على بناء وعي اجتماعي .
«الدولة التي تُقصي المثقف قد تمتلك القوة، لكنها تفقد القدرة على صناعة المستقبل.»
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حصار أميركي شامل على موانئ إيران.. هل تتمكن واشنطن من ليّ ذر
.. نقاش الساعة - هل أزمة مضيق هرمز مستحدثة أم امتداد لتوترات سا
.. نقاش الساعة - منشأة جبل الفأس.. تحصينات مرتبطة بتخصيب اليورا
.. نافذة من بيروت | شروط لبنان في جولة المفاوضات الجديدة مع إسر
.. القيادة المركزية الأمريكية: استأنفنا فرض الحصار البحري على إ