الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
انحراف الوظيفة الاقتصادية للموازنة نحو وظيفة سياسية احتوائية : قراءة في الاقتصاد العراقي بين منطق التوزيع واستحقاقات الإنتاج
عامر عبد رسن
2026 / 4 / 1الادارة و الاقتصاد
لم يعد النقاش حول الاقتصاد العراقي محصورا في مفردات مألوفة من قبيل العجز المالي، أو الفساد الإداري، أو تقلبات أسعار النفط، بل بات يتطلب النفاذ إلى مستوى أعمق من التحليل، مستوى يكشف عن طبيعة الوظيفة التي تؤديها المالية العامة داخل بنية الدولة. فالمشكلة في العراق لا تكمن فقط في محدودية الإيرادات غير النفطية، ولا حتى في سوء إدارة الموارد، بل في التحول البنيوي الذي طرأ على الموازنة العامة، حيث لم تعد أداة لتوجيه التنمية الاقتصادية، بل تحولت تدريجيا إلى وسيلة لإدارة التوازنات السياسية والاجتماعية.
هذا التحول لا يمكن فهمه خارج سياق الاقتصاد الريعي الذي يشكل الإطار الحاكم للاقتصاد العراقي. ففي الدول التي تعتمد على الموارد الطبيعية، وبالأخص النفط ، تتدفق الإيرادات إلى الدولة بشكل مباشر دون المرور عبر دورة إنتاجية داخلية ، الأمر الذي يؤدي إلى تمركز الموارد في يد السلطة التنفيذية. وبدلا من أن تكون الدولة منظما للنشاط الاقتصادي، تصبح هي الفاعل الاقتصادي الأهم، والموزع الرئيسي للدخل داخل المجتمع. وهنا يبدأ التحول الصامت في وظيفة المالية العامة.
في هذا السياق، تنتقل الموازنة العامة من كونها أداة لتخصيص الموارد بكفاءة وتحفيز النمو، إلى أداة لإعادة توزيع الريع بما يحقق استقرارا سياسيا واجتماعيا. ويظهر هذا التحول بوضوح في بنية الإنفاق العام، حيث تتجه الحصة الأكبر نحو الإنفاق التشغيلي، وخاصة الرواتب والأجور والدعم والتحويلات، مقابل تراجع واضح في الإنفاق الاستثماري المنتج. ولا يعود معيار القرار المالي قائما على العائد الاقتصادي، بل على القدرة على امتصاص الضغوط واحتواء المطالب.
إن ما يحدث في العراق يمكن توصيفه بما يمكن أن نسميه "التوازن السياسي الريعي"، وهو نمط من التفاعل بين الدولة والمجتمع يقوم على تبادل ضمني: الدولة توزع الموارد، والمجتمع يوفر درجة من الاستقرار. وفي ظل هذا التوازن، لا يكون الهدف هو تحقيق التنمية الاقتصادية بقدر ما يكون الحفاظ على الاستقرار قصير الأمد، حتى لو كان ذلك على حساب الاستدامة طويلة الأمد.
يتجسد هذا التوازن في عدد من الممارسات التي أصبحت مألوفة في السياسة المالية العراقية. فالتوسع في التوظيف الحكومي، على سبيل المثال، لم يعد مرتبطا بالحاجة الفعلية للمؤسسات، بل أصبح أداة لمعالجة البطالة وامتصاص الاحتقان الاجتماعي. وكذلك الحال بالنسبة لزيادة الرواتب والمخصصات، التي غالبا ما تأتي استجابة لضغوط سياسية أو احتجاجات شعبية، أكثر مما تأتي ضمن رؤية اقتصادية متكاملة. أما الدعم، بمختلف أشكاله، فيستخدم كوسيلة لضمان حد أدنى من الرضا الاجتماعي، حتى وإن كان ذلك يؤدي إلى تشوهات في الأسعار وإهدار الموارد.
لكن الأخطر من ذلك هو أن هذا النمط من الإدارة المالية لا يقتصر أثره على الحاضر، بل يعيد تشكيل سلوك المجتمع نفسه. فمع مرور الزمن، يتعزز الاعتماد على الدولة كمصدر رئيسي للدخل ، وتتراجع الحوافز المرتبطة بالإنتاج والعمل في القطاع الخاص. ويصبح الحصول على وظيفة حكومية هدفا بحد ذاته، ليس بسبب طبيعة العمل، بل بسبب ما توفره من أمان واستقرار.
وهكذا، يتحول الاقتصاد من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد انتظار.
في المقابل، تجد الدولة نفسها محاصرة بالتزامات متزايدة يصعب التراجع عنها. فكل توسع في التوظيف أو زيادة في الرواتب يتحول إلى التزام دائم، وكل دعم يمنح يصبح من الصعب سحبه دون كلفة سياسية. ومع مرور الوقت، تتضخم هذه الالتزامات إلى درجة تقيد قدرة الدولة على المناورة، وتجعل أي محاولة للإصلاح محفوفة بالمخاطر.
وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: الموازنة التي تستخدم لتحقيق الاستقرار تصبح هي نفسها مصدرا لعدم الاستقرار على المدى الطويل. ذلك أن هذا النموذج يقوم على مورد متقلب بطبيعته، هو النفط، في حين أن النفقات التي يمولها تتسم بالثبات والتصاعد. وعندما تنخفض أسعار النفط، كما حدث في أكثر من مناسبة، تجد الدولة نفسها أمام معادلة صعبة: إما تقليص الإنفاق وما يترتب عليه من آثار اجتماعية وسياسية، أو اللجوء إلى الاقتراض واستنزاف الاحتياطيات.
إن هذا الوضع يعكس ما يمكن تسميته بـ"التوازن الريعي المغلق"، حيث تتفاعل عناصر النظام – الدولة، والمجتمع، والنخبة السياسية – في حلقة مستمرة تعيد إنتاج ذاتها. فالدولة توزع الريع، والمجتمع يطالب بالمزيد، والنخبة السياسية تدير هذا التفاعل بما يضمن بقاءها. وفي ظل هذا التوازن، يصبح من الصعب إحداث تغيير حقيقي، لأن أي إصلاح يمس مصالح أحد الأطراف يهدد استقرار المنظومة ككل.
لكن استمرار هذا التوازن ليس مضمونا إلى ما لا نهاية. فمع تزايد الضغوط السكانية، وتضخم الالتزامات المالية، وتذبذب أسعار النفط، تتزايد احتمالات الوصول إلى نقطة يصبح فيها هذا النموذج غير قابل للاستمرار. وعند هذه النقطة، لا يكون الخطر في حدوث أزمة مالية فقط، بل في ما قد يرافقها من اضطرابات اجتماعية وسياسية.
من هنا، فإن الإصلاح المطلوب لا يمكن أن يقتصر على إجراءات مالية تقنية، مثل تقليل العجز أو تحسين الجباية، رغم أهميتها. بل يتطلب إعادة نظر شاملة في وظيفة الموازنة العامة، وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالمسألة ليست في حجم الإنفاق، بل في اتجاهه، وليست في كمية الموارد، بل في كيفية استخدامها.
إن الانتقال من موازنة احتوائية إلى موازنة إنتاجية يقتضي إعادة توجيه الإنفاق نحو الاستثمار المنتج، وتعزيز دور القطاع الخاص، وبناء قاعدة إيرادات غير نفطية. لكنه في الوقت ذاته يتطلب شجاعة سياسية لمواجهة الكلف قصيرة الأمد لهذا التحول، وإدارة ذكية للمخاطر الاجتماعية المصاحبة له.
ولعل أهم ما يجب إدراكه في هذا السياق هو أن الاقتصاد الريعي لا يصلح نفسه تلقائيا، وأن الاستمرار في إدارة الوفرة بنفس منطق إدارة الأزمة لا يؤدي إلا إلى تعميق الاختلالات. فالعراق لا يعاني من نقص في الموارد، بل من نمط في استخدامها يعيد إنتاج المشكلة بدلا من حلها.
في النهاية، يمكن القول إن التحدي الذي يواجه العراق اليوم ليس ماليا بحتا، بل هو تحد بنيوي يتعلق بكيفية إعادة توظيف المالية العامة لتكون أداة للتنمية لا مجرد وسيلة لإدارة التوازنات. وإذا لم يتم التعامل مع هذا التحدي بجدية، فإن ما يبدو اليوم توازنا مستقرا قد يتحول غدا إلى نقطة انكسار يصعب احتواؤها.
إن اللحظة الحالية، بكل ما تحمله من تحديات وفرص، تفرض ضرورة الانتقال من التفكير في إدارة الموارد إلى التفكير في إنتاجها، ومن البحث عن الاستقرار المؤقت إلى بناء استدامة حقيقية. وهذا لن يتحقق إلا عندما تستعيد الموازنة العامة وظيفتها الاقتصادية الأصلية، وتتحرر من دورها كأداة سياسية احتوائية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. من يحكم صحراء الذهب في السودان؟
.. قراءة اقتصادية.. تداعيات الحرب تمتد إلى جيوب الأمريكيين عبر
.. قراءة اقتصادية.. كيف أثرت الحرب وإغلاق هرمز على واردات الصين
.. قراءة اقتصادية | التصعيد الأمريكي الإيراني.. مخاوف على إمداد
.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم