الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
قراءة نفسية سردية في قصة -جرح قديم-، للقاصة المغربية سعيدة حميد (جرح الطفولة... بنية هوية)
عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
2026 / 4 / 2
الادب والفن
نهدف في هذه الدراسة التعريفية بالنص موضوع الحلقة إلى تقديم محاولة قرائية نقدية منهجية، عبر منفذ تحليل بنيته المضمونية الدلالية التواصلية التعبيرية التأثيرية، وعبر خلخلة مكونات خطابه السردي، وتعيين موقعه بين الاتجاهات السردية القصصية لمغربية والعربية المعاصرة.
ننطلق من فرضية أساس، بؤرتها تتمثل في أن النص نموذج للقصة النفسية الواقعية، ذات البعد التأملي، حيث يتحول مسار تطور حدث طفولي، بسيط ظاهريا، إلى بنية شعورية عميقة، موجهة للهوية والسلوك في مرحلة الرشد والوعي البعدي.
ونخلص في هذه الورقة التعريفية إلى أن هذه القصة تشتغل على شعرية "الصمت والاقتصاد اللغوي"، وتطرح إشكالية "العلاقة بين السلامة النفسية وفقدان الهوية الذاتية".
تاريخيا، شهدت القصة القصيرة العربية المعاصرة تحولات جوهرية، تجسدت في الانتقال من الاشتغال على مركزة الحدث الخارجي، إلى الاشتغال على مركزة الحدث النفسي الداخلي، حيث أصبح الاهتمام السردي موجها بوصلته نحو تفكيك البنيات العميقة الخفية للشخصية الإنسانية، واستقصاء أثر التفاصيل اليومية الصغيرة في تشكيل الوعي والهوية.
في هذا السياق النموذجي، تأتي قصة "جرح قديم"، التي تعرض تجربة سردية مكثفة، تكشف، تخييليا، أثر حادثة طفولية في تشكيل نمط حياة كامل للشخصية / البطل، قائم على الصمت، وعلى التكيف، وعلى الانطواء، وعلى العزلة الداخلية، وعلى الاختفاء.
وتتأتى أهمية النص من قدرته على تحويل هذه التجربة العادية / النموذج إلى سؤال وجودي حول الذات والذاكرة والخلاص.
فكيف تتشكل آليات السرد النفسي، والاقتصاد اللغوي، في عمليات بناء شخصية / هوية تتشكل خصوصيتها نتيجة عن جرح طفولي صامت؟
نركز على مدخل أساس، يتمثل في أن الجرح، بوصفه لحظة تأسيسية للهوية، يعتبر مفارقة أساسية، تشخص حالة إشكالية دينامية متطورة، كرة ثلج متدحرجة، تبدو ظاهريا بسيطة: (واقعة تمزق ثوب طفلة وتعرضها للسخرية والتنمر) لتتحول إلى لحظة تأسيسية محددة للهوية، فالجرح هنا لم يكن جسديا ولا دراميا، بل كان جرح اعتراف وتشريح نفس مأزومة، حيث تتشكل قناعة حاسمة مفادها أن الشكوى لا تغير ترتيب الأشياء، والصمت، في جميع الأحوال خسارة أقل كلفة، وهذه الخلاصة تمثل نقطة التحول المركزية في مسار التطور الحدثي، على اعتبار أن الصمت / رد الفعل الشعوري هو الاستراتيجية المناسبة للنجاة والخلاص، إذ يتحول هذا الصمت / السلاح الدفاعي النفسي، إلى سلوك يوم، ومداراة اجتماعية، وفلسفة حياة، تجسده العبارة المتكررة: "لا بأس"، ليس تعبيرا عن التسامح، بل تعبير عن التكيف الدمجي القسري مع العالم / الآخر الصادم، فالصمت هنا ليس قيمة إيجابية، بل آلية دفاع نفسية هروبية نكوصية انغلاقية، حيث تصل القصة المسرودة إلى ذروتها في صيغة سؤال المرآة: "أهي نفسها، أم النسخة التي نجت؟".
بنائيا، يعتبر رمز "الجدار" استعارة كبرى مركزية، توحد انتقالات المتواليات السردية البنائية دلاليا / مضمونيا، فمن الجدار الطوبوغرافي زمن الطفولة، إلى الجدار النفس زمن الرشد، حيث يصير هذا الجدار مؤثثا نفسيا داخليا، إذ يتحول الرمز / الجدار من فضاء خارجي إلى بنية نفسية داخلية تثير التساؤل الوجودي: "متى صار هذا الجدار بداخلي؟".
ومنه، تبدو "الشخصية" نموذجا إنسانيا عاما، يمثل تجربة نسوية جماعية، تتحول إلى نموذج وجودي مأساوي، وذلك عبر زمن السردي زمن دائري قائم على تقنية الاسترجاع، فالماضي، أصلا، لا ينتهي، بل يعيش باستمرار داخل الحاضر.
ويتميز الأسلوب السردي في هذه القصة بـالاقتصاد اللغوي، والجمل القصيرة الباردة، والتكرار الدلالي، والمجاز النفسي الشعوري، حيث تخدم هذه الخصائص بناء عالم سردي صامت ومنغلق.
هكذا، يظهر أن النص السردي القصصي "جرح قديم" ينتمي إلى القصة النفسية، في إطار واقعية جديدة، في شكل قصة نسوية هادئة سطحا / موجعة عمقا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
القصة:
جرح قديم / قصة قصيرة / الكاتبة المغربية سعيدة حميد
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن تتذكر متى تعلمت أن تقول: "لا بأس".
كانت تقولها كلما تأخر الراتب، وكلما اعتذرت صديقة في آخر لحظة، وكلما نسي أحدهم وعدا قديما.
في العمل، كانوا يحبونها لأنها لا تقلق أحدا. تنهي مهامها بهدوء، توقع على الأوراق دون أسئلة، وتبتسم حين يطلب منها البقاء ساعة إضافية.
في البيت، تعلمت أن تضع مفاتيحها في المكان نفسه، أن تخفف صوت التلفاز، وأن تغلق الباب ببطء، كأن الضجيج قد يوقظ شيئا نائما في داخلها.
حين سألتها أمها ذات مساء: "علاش ما كدافعيش على راسك؟"، ابتسمت، وقالت: "تعلمت نكون عاقلة".
لم تقل لها إن "العقل" جاءها في سن مبكرة، من جرح قديم، يوم عادت من المدرسة بثوب ممزق. لم يكن ممزقا كثيرا، فقط بما يكفي ليلتفت إليه الآخرون. لكن لا أحد التفت.
كانت تمشي بخطوات مستقيمة أكثر من اللازم، تحمل حقيبتها أمام صدرها كدرع. تسمع الضحكات تتبعها في الممر، تتكاثر كلما حاولت أن تمشي أسرع. أحدهم مد يده إلى طرف ثوبها، وآخر كرر اسمها بنبرة ساخرة، وذاك همس بشيء لم تفهمه تماما، لكنها فهمت النبرة.
سقطت مرة، نهضت بسرعة. كانت قد تعلمت في لحظة قصيرة، أن الوقوف وحدها أهون من انتظار يد لا تأتي.
في البيت، حاولت أن تقول إنهم كانوا كثيرين.
فقيل لها: "كبري شوية، وخلي عليك ذاك الحساسية الزايدة".
في تلك الليلة، أغلقت باب غرفتها وجلست على حافة السرير. أدركت شيئا بسيطا وخطيرا: "أن الشكوى لا تغير ترتيب الأشياء، وأن الصمت أقل كلفة".
منذ ذلك اليوم، لم تعد تجلس في الصف الأول. اختارت المقاعد القريبة من الحائط، حيث يمكن للظهر أن يطمئن إلى شيء صلب خلفه. كانت تمشي في الفسحة بمحاذاة الجدار، كأن العالم أوسع من أن يُعبَر في المنتصف.
كبرت، وكبر معها اعتقادها أن الاختفاء مهارة، فصار لها جدارها الخاص:
في العمل، الهدوء جدار.
في البيت، خفض الصوت جدار.
و"لا بأس" جدار أخير لا يسمح لأحد بالدخول أبعد مما يجب.
حين وقفت ذات يوم أمام المرآة، لم تتذكر متى غضبت آخر مرة. تذكرت فقط أنها لا تعرف كيف يبدو وجهها بدونه. مدت يدها كأنها تتحسس سطحا زجاجيا، وتذكرت فجأة تلك الطفلة التي كانت تمشي بمحاذاة الحائط، خوفا من العبور في المنتصف. رأت المسافة التي تفصلها عن نفسها. تساءلت، بهمس: "متى صار هذا الجدار بداخلي؟"
لبست معطفها، أغلقت الباب بهدوء، وخرجت كما اعتادت. تمشي بمحاذاة الأشياء، حتى لا تضطر إلى الاصطدام بها، ودون أن تتأكد أهي نفسها، أم النسخة التي نجت...
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. شوف بنت هند صبري مين أكتر فنانة بتحبها??
.. أون سيت - اعرف سبب نجاح مسلسل صحاب الأرض مع الفنان إياد نصار
.. أون سيت - هل إياد نصار من الممثلين الي بتحضر للشخصية ؟
.. مهرجان كان السينمائي: المخرج الإيراني أصغر فرهدي يعود إلى ال
.. مهرجان كان السينمائي- لماذا يبدو الحضور العربي خجولا في هذه