الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الواقعية التقدمية في السياسة الدولية

حسين علي محمود

2026 / 4 / 2
مواضيع وابحاث سياسية


ينتمي بعض السياسيين الإنكليزي مثل رئيس الوزراء كير ستارمر إلى المدرسة الإنجليزية المعروفة الواقعية التقدمية وهي مدرسة تجمع النظريات الثلاث الأساسية في العلاقات الدولية الحديثة : الواقعية والليبرالية الجديدة والنظرية البنائية.
هذه المدرسة لا تقتصر على حزب العمال بل تتبناها حتى أجنحة الوسط في حزب المحافظين ومنهم رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون وحتى أبرز وجوه حزب المحافظين الحاليين مثل ريشي سوناك وجيمس كليفرلي وآخرين.
تعتمد هذه المدرسة في هندستها للعلاقات الدولية على المزج بين التركيز على المصالح الوطنية والمثل الدولية القائمة على التمسك بالقانون الدولي والمؤسسات الدولية وتجنب التورط في الحروب الخارجية مع تفعيل دور القوى الإقليمية في مناطق الصراع والتعامل الواقعي مع قوى الأمر الواقع في مناطق النفوذ.
هذا المنهج (الواقعية التقدمية) عميق ومتشعب وقد نمى وانتشر بفعل عوامل حزبية واقتصادية وسياسية على مدى الثلاثين سنة الماضية.
بلغ ذروته مع إدارة الرئيس باراك أوباما الذي تناغم مع هذه المدرسة إن لم يكن من أهم ملهميها.

إذا أردنا فهم هذه المدرسة بشكل أعمق، فعلينا أن ننظر إليها بوصفها محاولة لإعادة التوازن إلى السياسة الخارجية الغربية بعد عقود من التقلب بين التشدد العسكري والانفتاح المثالي.
فهي لا تنطلق من افتراض أن العالم يمكن إصلاحه بالقوة كما تفترض بعض اتجاهات الواقعية الصلبة ولا من وهم أن القيم وحدها كفيلة بإعادة تشكيل النظام الدولي كما تميل إليه بعض المدارس الليبرالية، بل تحاول السير في منطقة وسطى وهي فهم العالم كما هو والعمل فيه بما هو ممكن دون التخلي الكامل عن المبادئ.
يمكن فهم صعود شخصيات مثل كير ستارمر بوصفه تعبيراً عن هذا المزاج السياسي، فالرجل لا يقدم نفسه كزعيم ثوري يعيد صياغة العالم، بل كمدير حذر للأزمات يسعى إلى تقليل الخسائر وتعظيم المكاسب ضمن واقع دولي معقد.
وهذا ما يفسر تقاطعه ولو جزئياً مع شخصيات من أحزاب مختلفة مثل ديفيد كاميرون وريشي سوناك حيث تتقارب الرؤى رغم الاختلافات الحزبية.
إن أحد أهم مرتكزات الواقعية التقدمية هو الاعتراف بأن النظام الدولي لم يعد أحادي القطب كما كان بعد الحرب الباردة، بل أصبح أكثر تعقيداً وتعدداً.
فصعود قوى مثل الصين وعودة روسيا إلى المسرح الدولي وتزايد نفوذ الفاعلين غير الدولتيين، كل ذلك فرض على صانعي القرار إعادة التفكير في أدواتهم.
وهنا يظهر بوضوح أثر إدارة باراك أوباما التي حاولت تقليل الانخراط العسكري المباشر والاعتماد أكثر على الدبلوماسية والتحالفات وحتى على إدارة الأزمات بدل حلها جذرياً.
لكن هذه المدرسة ليست مثالية أو خالية من التناقضات فهي من جهة تدعو إلى احترام القانون الدولي والمؤسسات الدولية لكنها من جهة أخرى تقبل أحياناً بالتعامل مع قوى الأمر الواقع حتى لو كانت لا تنسجم مع هذه القيم.
وهذا ما يجعلها عرضة لانتقادات من اتجاهين حيث الواقعيون يرونها مترددة وضعيفة بينما يعتبرها المثاليون متساهلة ومتناقضة.
على المستوى العملي يمكن ملاحظة هذا النهج في كيفية تعامل الدول الغربية مع أزمات الشرق الأوسط، فبدل التدخل العسكري المباشر واسع النطاق كما حدث في العراق عام 2003 أصبح التركيز على دعم قوى محلية أو إدارة التوازنات الإقليمية أو حتى احتواء الأزمات بدل حسمها. وهذا يفسر مثلاً القبول الضمني ببقاء بعض الأنظمة أو الفاعلين رغم الخلاف معهم لأن البديل قد يكون أكثر فوضوية أو كلفة.
كما أن هذه المدرسة تعطي أهمية كبيرة للاقتصاد كأداة من أدوات السياسة الخارجية، فالعقوبات الاقتصادية واتفاقيات التجارة والضغط المالي كلها أصبحت أدوات مفضلة مقارنة بالخيار العسكري.
وهذا يعكس فهماً متزايداً بأن القوة في العصر الحديث لم تعد عسكرية فقط، بل هي مزيج من الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الثقافي.
ومع ذلك يبقى السؤال الأهم هل تنجح الواقعية التقدمية في تحقيق الاستقرار؟؟
الإجابة ليست بسيطة فهي تنجح أحياناً في تجنب الكوارث الكبرى لكنها قد تفشل في تقديم حلول جذرية طويلة الأمد. بمعنى آخر هي مدرسة بارعة في إدارة الأزمات لكنها أقل قدرة على حلها نهائياً.
في النهاية يمكن القول إن هذه المدرسة تعبر عن مرحلة انتقالية في التفكير السياسي الغربي، مرحلة لم يعد فيها الحسم ممكناً كما في الماضي ولم تعد فيها المثالية كافية. إنها سياسة الحد الأدنى الممكن في عالم معقد حيث لا توجد حلول مثالية، بل خيارات أقل سوء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. لماذا بدأت الولايات المتحدة بضرب بندر عباس؟


.. أوتاوا الكندية تعلن حاجتها لنصف مليون مهاجر في العامين المقب




.. هجمات متبادلة بين موسكو وكييف وتوتر دبلوماسي روسي أوروبي


.. كوبا.. تواصل الانقطاع الواسع للكهرباء وخدمات الاتصال وشركة ا




.. هل تتجه الولايات المتحدة إلى تصعيد أكبر مع إيران؟