الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تأملات في الربيع العربي
حازم خيري
2026 / 4 / 2العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
"نحن أمة دينية تؤثر فيها كلمة الدين،
والرأي الشرعي أكثر من أي رأي آخر"
الشيخ يوسف القرضاوي
جاء الربيع العربي ومضى وكأن شيئا لم يكن، ظل عالمنا العربي على بؤسه الفكري، لم تصاحب ربيعنا ثورة فكرية تزلزل أركان البنى الفكرية العتيقة في مجتمعاتنا، كل ما حدث أن حشودا هائلة جابت الشوارع والميادين بحثا عن فردوس مفقود، لا ملامح له ولا ظلال. شعارات تطالب بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، لم يدر الصادحون بها بؤس ضحالتها، وأنها محض قشور! البؤس العربي عميق يضرب بجذوره في التاريخ، مضحك ان اعتقدنا بأن شعارات كتلك، على أهميتها، أمارة لتثوير العقول والقلوب واثارة الرغبة في نبش الماضي!
ما أشبه ثوارنا بمهندس ديكور يهتم بالمظهر الخارجي، لا عالم أثار يستنطق الماضي ويتتبع الجذور، لم تجد ثوراتنا صفوة فاضلة تقودها إلى ربيع حقيقي، كل ما وجدته أشباح الماضي تقودها إلى صلوات الميادين ومزيد من تغييب الوعي، في ظل عطش للسلطة وحرص واضح على تكريس الاغتراب الثقافي للذات، عبر تعميتها عن حقها في نقد وتطوير طريقة حياتها!
ولد الربيع العربي فجأة وولى الأدبار بسرعة، لم يصمد فلا جذور فكرية له ولا منظرين، كل ما امتلكه هو عدم ممانعة غربية في صعود الإسلاميين للسلطة، وتأييد استخباراتي خفي، برره قادة غربيون حينها برغبتهم في عدم تكرار هجمات 11/9، إلى هنا ولا مشكلة، فالشارع العربي في ظل هيمنة طريقة التفكير الديني، وفي غياب أصحاب التفكير الفلسفي، مؤهل للقبول بإسلاميين يعدونه بحياة كريمة على الأرض وجنة عرضها السماوات والأرض بعد الموت!
صعد الإسلاميون إلى السلطة، وبدا واضحا من الوهلة الأولى تبنيهم لشعارات جوفاء، رغم تبشيرهم المحموم باستعادة أمجاد الماضي الإسلامي، لم اسمع من منظريهم نقدا لماضينا ولا تصورا لكيفية معالجة مثالبه ولا لكيفية التعاطي مع معطيات الحاضر وتحديات المستقبل، وهذا أمر طبيعي فأصحاب التفكير الديني في كل الحضارات والمجتمعات كل همهم استعادة الماضي، فهو نموذج امثل لا يمكن بحال تجاوزه إلى الأفضل، الماضي عندهم نهاية التاريخ، وكل المطلوب منهم ومن غيرهم ـ من وجهة نظرهم ـ الاجتهاد في استحضاره فهو "كتالوج" الحاضر والمستقبل!
المدهش أن الشارع العربي، وهو إسلامي الهوى، بحكم هيمنة طريقة التفكير الديني، لم يصبر كثيرا على حكومات الإسلاميين، واستجاب ـ في أغلبه ـ لدعاوي الإطاحة بها، ليس هذا فحسب بل تخلى عنهم وتركهم لمصيرهم البائس، رغم اشتراكه معهم في القناعات وطريقة التفكير! زاد من أزمة الإسلاميين ما يبدو تخليا غربيا ـ على الأقل حتى الآن ـ عنهم، فقد حظرت منظماتهم وصودرت أموالهم وجففت منابع التمويل، ولذلك أثره بالفعل على تحجيم قدرة الإسلاميين على الحركة في الشارع العربي، غير أن ذلك لن يميتهم في رأيي لأنهم نتاج واقع يحفظ وجودهم!
وكعادة الاسلاميين في خوفهم او تعاميهم عن ضرورة النقد والتطوير بحكم طريقة تفكيرهم، نراهم يبررون سقوطهم بعدم امتلاكهم للقوة الصلبة، يقصدون بها مؤسسات الجيش والشرطة والاستخبارات في دولهم، وهو أمر قد لا يخلو من منطق، لكنه ينطوي على تسطيح لمشكلتهم وصرف للأنظار عن ضعف البنية الفكرية لمنظريهم وقادتهم، ولنا أن نتصور خطورة ذلك، في ظل مطالبة هؤلاء لاتباعهم بالسمع والطاعة! النتيجة سقوط القطيع بسقوط المنظرين والقادة!
الإسلاميون وقبل صعودهم للسلطة في الربيع العربي لطالما رددوا شعارات من قبيل: "الإسلام هو الحل" "الحكم الإسلامي" "الدولة الإسلامية"، استحوذوا بها على عقول وقلوب الكثيرين في مجتمعاتنا من المتعطشين لاستعادة الكرامة الحضارية والمجد الاسلامي، خاصة بين الشباب، دون بناء تصور محكم لكيفية النزول بهذه الشعارات على أرض الواقع. بدا افلاسهم الفكري واضحا بقبولهم بالمجالس المنتخبة وصناديق الانتخابات والديمقراطية ـ وهي ثمار للحضارة الغربية ـ دون تكليف أنفسهم عبء الاعتراف بإفلاس حضاري ألجأهم للنكوص عن شعاراتهم!
كنت أتصور أن يتساءلوا ونتساءل معهم لماذا نجح الغربيون في تطوير مفهوم الدولة من شكلها البسيط في عصر اليونان حتى وصلوا بها الى صورتها الراهنة، في حين عجزنا نحن عن تطوير دولة النبي الى صورة حديثة تلبي متطلبات العصر وتواكب مستحدثات الحياة وتعقيداتها!
مشكلة حقيقية تعيشها مجتمعاتنا وحضارتنا الاسلامية، خاصة أن الإسلاميين في الأغلب هم من يتصدى للدفاع عن حضارتنا الاسلامية وحراستها، فنراهم بحماسة يحسدون عليها يتحدثون عن تجديد اسلامي وأن فلان الفلاني هو مجدد العصر بعثه الله ليجدد به الدين، ولا اعتراض على ذلك فهو يتسق مع قناعات اصحاب التفكير الديني، لولا انهم يضرون انفسهم ويضرون مجتمعاتنا باحتكارهم الدفاع عن حضارتنا وحراستها، فلا هم بمقدورهم الذهاب إلى أبعد من التجديد الديني ولا هم يتركون لأصحاب التفكير الفلسفي إعمال عقولهم وقلوبهم في التخريب الخلاق لحضارتهم، على نحو ما حدث في حضارة الغرب، فأثمر ما نأخذ ونباهي به اليوم دون خجل!
انتهازية بغيضة أن نتعاطى ثمار الحضارة الغربية، وفي الوقت نفسه نصر على دونيتها.. حماقة شديدة ألا تعي مجتمعاتنا دروس الربيع العربي، وتخرج منه خالية الوفاض، فلا هي أدركت عمق أزمتها الحضارية ومدى إفلاسها ولا هي أدركت تهافت الإسلاميين وعجزهم عن النقد والتطوير، رغم عدم قناعتي بقمعهم، فالحل ليس في قمعهم والتضييق عليهم، أولا: لأن الشارع إسلامي الهوى، وثانيا: أنه ثبت أن القمع يأتي بعكس المطلوب، فنراهم يزدادون ظلامية!!
الإسلاميون مجرد عرض لمرض، حضارة مريضة أفرزتهم، شعوب متعطشة للحياة الكريمة والمجد الحضاري تتعاطى أفكارهم وإن لم تع ذلك، والدليل أن الشارع لو ترك ليقرر مصيره بنفسه لأتى بهم مرات ومرات، لأنهم التعبير الأوضح في الوقت الحالي عن الخصوصية الحضارية، في غياب أصحاب التفكير الفلسفي، رغم أنهم الأقدر برأيي على تجسيد وتفعيل طموحنا الحضاري، ليتجاوز الشعارات الجوفاء ومقولات السمع والطاعة إلى انطلاقة حضارية نحو المستقبل الرحب وعبور إلى ما بعد الحضارة الإسلامية، دون خوف أو تردد، مع صون خصوصيتنا الحضارية والنأي بحضارتنا عن مخاطر الموت أو الذوبان في حضارات أخرى أقوى، فالمؤسف أن مصير حضارتنا المحتوم إن استمر التكرار والجمود الحاليين هو إما الموت أو كما أسلفت الذوبان في حضارة أقوى، خاصة في ظل ثورة رقمية، من الصعب أن تصان في ظلها الخصوصية الحضارية. لا بديل إذن عن السماح بالنشدان الحر للحقيقة والتخريب الخلاق لحضارتنا، عبر النقد والتطوير المستدامين لميراثنا الحضاري ولوافد حضاري يكاد يغرقنا!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 8-Knowing that there is a weakness in you / Al-Anfal / 65 -
.. 7-The worst of creatures in Allah-s view are those who disbe
.. دار الإفتاء تعلن الأحد أول أيام شهر ذى القعدة 1447هـ وتخالف
.. تغطية خاصة | المقاومة الإسلامية في لبنان تؤكد جاهزيتها العال
.. 6- And because Allah is not unjust to the servants / Al-Anfa