الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التوظيف الرمزي للنص الديني في التشريع الإسرائيلي
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
2026 / 4 / 2
القضية الفلسطينية
في صناعة العدو المطلق، يحضر التاريخ الديني لليهود بقوة في صورة "قانون إعدام المخربين"؛ إذ تتجاوز الأحداث في أعماق مجتمع المستعمَرة اليهودية في فلسطين مجرد إقرار قانون، لتمثل سردية محكمة تربط "العدو القديم" في النصوص (الفلشتيم أو غيرهم) بـ"العدو المعاصر" في الواقع السياسي (العرب الفلسطينيين). وهو ربط رمزي وانتقائي يستدعي الماضي الخرافي؛ بغية إضفاء طابع أعمق على الحاضر، وإظهاره امتداداً طبيعياً يغاير الوضع التاريخي الطارئ.
وتستعير العبارات الشائعة اليوم، مثل "محاربة الشر" أو "الدفاع عن الوجود"، بنية أخلاقية ذات حمولات عاطفية ولاهوتية هائلة. وتتجاوز مصطلحات "الإرهاب" و"التخريب" احتكار طرف بعينه، وتفتقر إلى تعريف موحد جامع مانع؛ فهي مفاهيم سياسية يحددها الاجتماع السياسي الإنساني المعاصر انطلاقاً من موقع القوة؛ لتصبح أدوات فعالة في نزع الشرعية عن الخصم.
وتكمن المعضلة في كيفية توظيف الذاكرة الدينية لتثبيت صورة نمطية للعدو، وإعادة إنتاجها بلغة قانونية وأمنية حديثة؛ لتتحول إلى أسطورة مؤسسة تمنح الشرعية والهُوية بغض النظر عن تدين صاحبها. ويستحيل النص الديني هنا ذاكرة قومية ذات صبغة علمانية؛ فالعلماني الإسرائيلي يتبنى النتيجة السياسية للفكرة عبر مسار مختلف، متجاوزاً الإيمان الضروري بالمعنى الديني للنصوص. ويتحول الدين بذلك إلى هُوية قومية، ويكف عن كونه عقيدة لاهوتية. ويفسر ذلك تقارب المخرجات السياسية للطبقة الحاكمة هناك؛ إذ تبدو حالة إجماع تتجاوز اختلاف الدوافع العميقة.
وتمهد أرضية ثقافية-رمزية لهذا التوصيف، متقاطعة تقاطعاً واسعاً مع سردية قومية وهُوية تاريخية وخطاب أمني؛ ما يخلق انطباعاً بوجود إجماع تام. وتتسم الفكرة الأساسية بالبساطة والعمق معاً؛ فالصهيونية، منذ ثيودور هرتزل، تستند إلى مقولة "نحن ننتمي لانتمائنا الماضي إلى هذا المكان"، في تخطي واضح لفكرة "العودة الآنية". ويكتسب هذا التحول أهميته من نقله الشرعية من الجغرافيا الحاضرة إلى الذاكرة التاريخية. ويمثل وجود شخص أوروبي في الشرق الأوسط، وفق هذا المنطق، استعادة لحق تاريخي متخيل قابل للتأويل والتأويل المضاد؛ وهما المنظوران اللذان يحركان الصراع بأسره.
على أن الأمر لا يقتصر على "تزييف" الماضي واختلاق وقائع غير موجودة، ليصل إلى انتقاء جزء من هذا الماضي وتضخيمه على حساب أجزاء أخرى؛ ليخدم سردية معينة، ويسقط مفاهيم حديثة على نصوص قديمة، ويحول الرموز الدينية إلى حجج سياسية.
غير أن النص القديم شيء، وتفسيره شيء آخر، واستخدامه في الصراع شيء ثالث.
وتبدأ المشكلة لحظة استدعاء النص لخدمة الموقف السياسي المعاصر؛ إذ ينحاز التأويل بطبيعته، كما تتسم المشاريع القومية عامة، غير أنه يتخذ في الحالة الإسرائيلية طابعاً أشد حدة تبعاً لطبيعة الصراع. وتبرز تأويلات تفتقر إلى الصحة التاريخية، يجري توظيفها في الفضاء السياسي توظيفاً متعمداً. ويدرك السياسي العلماني الذي يربط الفلسطيني المعاصر بصورة "العدو الكتابي" (مثل "عَمَالِيق")، غياب الأساس التاريخي العلمي لهذا الربط، واستحالة الاستمرارية الرمزية البشرية أو السياسية بين الجماعات القديمة والفلسطينيين اليوم. لكنه لا يمانع، بالأحرى لا يتورع، من استخدام هذه الصورة لفائدة هدف سياسي جوهري، يحقق من خلاله عدة أمور بعينها: فأولاً يعطي الصراع بعداً "أبدياً" بدل كونه نزاعاً حديثاً، وثانياً، يحول الخصم من طرف سياسي إلى "عدو مطلق" وأخيراً، يبرر إجراءات قاسية عبر تغليفها بسردية أخلاقية قديمة.
ويتجلى الجوهر الإيديولوجي والسياسي والربط الرمزي في المماهاة المتعمدة بين الفلسطينيين الحاليين والفلشتيم (الفلسطينيين القدماء)، واستغلالها لتبرير سياسات عنصرية، كقانون الإعدام، وتكريس التمييز الصريح بين "العدو الفلسطيني" و"المواطن اليهودي". ويصبح الفلسطيني في المستعمَرة اليهودية امتداداً مباشراً للعدو القديم المعادي لإسرائيل منذ القدم؛ فتُستحضر النصوص الدينية لتعزيز هذه الصورة، وتكريس فكرة توارث الفلسطيني عداوة الفلشتيم. وتخلق هذه المماهاة سردية "استمرارية الخطر الفلسطيني"، وتمنح الإجراءات القاسية شرعية أخلاقية وسياسية في وعي الجمهور، وتحول الصراع الحالي صراعاً وجودياً يبرر الاستثناءات القانونية؛ ليثمر خطاباً عنصرياً سياسياً يبرر التفوق والسيطرة.
ويؤكد فاضل الربيعي تعمد المخيال الإسرائيلي افتعال المماهاة الرمزية بين الفلسطينيين المعاصرين والفلشتيم القدماء. وتُعاد قراءة النصوص الكتابية -كاستخدام كلمة "مَشْحَت" لوصف الفلشتيم*- لتصوير الفلسطيني امتداداً طبيعياً لـ"المخربين الفلشتيم"، وعدواً مبدئياً بالفطرة. ويرسب ذلك في وعي الجمهور الإسرائيلي كاستمرارية للصراع، ليصير الفلسطيني المعاصر عدواً وجودياً متجاوزاً صفة الخصم السياسي، أو الجار السيء. يعكس قانون الإعدام هذه الرؤية الرمزية جلياً؛ إذ تترجم الانتقائية القانونية التمييز الرمزي المنطلق من النصوص الدينية والتاريخية، وتحوله إلى أداة سياسية وقانونية. وتمثل هذه العملية، كما يفصل الربيعي، إعادة إنتاج استشراقية واحتلالية للذاكرة، متجاوزة خطأ الترجمة أو التفسير العابر. ويستوعب المخيال الغربي والأوروبي-الأمريكي هذه الصورة لتغدو جزءً من الخطاب التبريري للصراع، وتنزع صفة المواطنة والجماعة السياسية عن الفلسطيني، لتجعله امتداداً طبيعياً للعدو التاريخي.
ويستنسخ الواقع المعاصر السردية القديمة في صلب القانون والسياسة؛ إذ يحل "المخرب" الحديث (الفلسطيني)** محل "المخرب" القديم (الفلشتيم)، ويُختزل الصراع الاستعماري في عداء أسطوري يجعل القانون أداة لتجسيد هذه الصورة واقعاً.
....
*يورد فاضل الربيعي في كتابه "القدس ليست أورشليم: مساهمة في تصحيح تاريخ فلسطين" اقتباساً كما يلي: "واتجهت فرقة من المخربين [مشحت من الجذر شحت שחת] الفلسطينيين... وأخذوا تابوت الرب"، مشيراً إلى سفر صموئيل. وتفتقر نصوص العهد القديم إلى أي ربط بين كلمة "شحت" -وتعني الإفساد أو الإهلاك أو الخراب، وتعد لقباً تحقيرياً- وبين الفلشتيم. وتخلو نصوص سفر صموئيل من كلمة שחת المذكورة عند الحديث عن استيلاء الفلشتيم (פלשתים - وتُترجم خطأً في الترجمات المعتمدة بالفلسطينيين) على تابوت العهد. ويبرز الجذر "شحت" في سياقات أخرى، مجرداً من الدلالة الإثنية التي يسبغها عليه الربيعي؛ إذ يظهر أكثر من 140 مرة في نصوص العهد القديم دالاً على الفساد والتدمير والخراب (أرض فاسدة، فساد السلوك، أفعال هلاك). ويتجلى ذلك في سفر التكوين (6:11-12) بوصف فساد الأرض قبل الطوفان، وفي سفر إرميا (2:13) بوصف الخراب الناجم عن الشعب، وفي سفر الأمثال (13:14) بالتحذير الأخلاقي من فساد الفكر أو الطريق.
** يخلو نص قانون الإعدام الجديد من الكلمات التاريخية أو الرمزية كـ"شحت/مشحت" أو "محبل" (מחבל/محبليم - وتعني المعنى الدقيق للإرهابي أو المفجر، وتُطلق على منفذي الهجمات المسلحة أو عمليات المقاومة ضد الإسرائيليين)، أو "פורע חוק" (بورع خوك - وتعني المخالف للقانون). وتنتشر هذه العبارات في الخطاب الإسرائيلي الرسمي والإعلامي المعاصر، مصحوبة بمصطلحات أدبية رمزية كـ "אויב של המדינה" (أُويڤ شِل هَمدِينا - عدو الدولة) لتضخيم الطابع الوجودي للصراع. يظهر نص القانون مصاغاً بلغة قانونية حديثة تصف الجريمة وتتجنب التأطير الثقافي للشخص المقصود به. وتتضمن مصادره صياغات تقر صراحة بإعدام من يتسبب عمداً في قتل شخص ما في حال توفر لدى القاتل "نية الإضرار بالمواطن أو المقيم في دولة إسرائيل، بهدف إنكار وجودها"، وتُصنف الجريمة حينها مستوجبة للعقوبة المشددة بالإعدام أو السجن المؤبد لا غيرهما. وينصب التركيز القانوني على صفة الفعل ودافعه، متجاوزاً وصف الشخص. وتتناول الصياغة القتل العمد بدافع الإضرار بالدولة أو إنكار وجودها بوصفه "أعمالاً إرهابية" وفق القانون الإسرائيلي المعاصر. وتغيب عن النص أي إشارة إلى "الفلسطيني" أو "اليهودي" أو أي هُوية قومية مباشرة؛ مرسخاً الأساس القانوني المجرد للفعل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات أميركية لا تتوقف على إيران.. هل عاد ترامب لاستراتيجية
.. محاولة فهم | بعد عقد من الانقلاب الفاشل.. كيف تغيرت تركيا؟
.. قراءة عسكرية.. التصعيد يتسارع والعمق الإيراني يدخل دائرة الا
.. خارج الصندوق | الحكومة العراقية: دولتنا كاملة السيادة وحصر ا
.. فرنسا: ما أسباب الجدل حول قانون -المساعدة على إنهاء الحياة-