الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حريات مقيدة، وثقة مفتقدة!

عبدالرحمن مطر
كاتب وروائي، شاعر من سوريا

(Abdulrahman Matar)

2026 / 4 / 2
حقوق الانسان


لا يمكننا اعتبار ما حدث الإسبوع الماضي في دمشق، ومدن أخرى، على أنه حدث جانبي، طارئ وبسيط. وإنما هو مؤشر على درجة من الانقسام في الشارع السوري، أخذ يتشكل بصورة تستدعي المراجعة، والتوقف عندها، بعد ما يقارب من عام ونصف على تولي السلطة الجديدة، زمام الحكم في سوريا. وإذا أضفنا إليه، العودة الى رفع الراية البيضاء، بقوة كما "الجمعة" الأخيرة في التظاهرات المضادة للاحتجاجات المطلبية، فإن ذلك يعود بنا الى المرة الأولى التي رفع فيها علم "التوحيد" على وقع الإنزال القسري لعلم الثورة السورية، في مدخل الرقة (اكتوبر 2013)، عقب تحرير المدينة في مارس 2013، وما تلا ذلك من توترات وأحداث، ساهمت بإقصاء التيار المدني في الثورة، ومحاصرته تدريجياً، وصولاً الى إنحساره، أمام صعود القوى المسلحة، كواجهة فاعلة للمعارضة السورية في السنوات اللاحقة.
العقيدة والقوة: الخوف
هل يمثل ذلك مؤشراً مقلقاً للجمهور السوري ؟ الجواب في اعتقادي هو: نعم. فثمة استعادة لمنطق القوة، ولفكرة الخوف، من السطوة التي سادت في سنوات "الرماد، والدم، والتضحيات" وشغلت المواطنين السوريين، كهاجس مرير، في ظل من الحذر، والانصياع حيناً، والتمرد والإعتراض في أحايين أخرى، في مواجهة كل القوى التي احتكمت الى تمركز علاقة القوة بين "السلاح و العقيدة"، خاصة تلك التي تمكنت من بسط إدارتها في المناطق الخارجة عن سلطة النظام السوري البائد، ضمن مشروعية التحرير، وإسقاط الأبدية الأسدية.
تبرز هذه الحالة/ الظاهرة، في الاستقطاب الحاد الذي يتشكل اليوم، ويتجلى في مظاهر عديدة، منها الخروج العودة الى الشارع، بمعنى التجييش والاحتكام إليه، وفي مواجهة حادة للقوى والمجموعات ذات الطابع المدني، التي بدأت بالتعبير عن مخاوفها من الاستمرار في نهج " غياب المؤسساتية" وتغليب " الفتاوى ووجهات النظر" على مبادئ الحقوق والحريات، وعلى القوانين الناظمة لعمل الدولة، كما حدث في قرارين أشعلا الجمهور السوري، على ضفتية: المعترض، والمؤيد على حدّ سواء: قرار محافظ دمشق بشأن الخمور، وقرار وزارة الإعلام بشان منع منصات إعلامية من العمل في سوريا. وبين أصداء هذين القرارين، تُكمل أحداث السقيلبية، هرم إلإشكاليات العميقة، التي تَسمُ حالتنا الراهنة، بتفاعلاتها المتلاحقة.
حريات مقيدة
دون الخوض في مجريات " جمعة السقيلبية " فإن المطالب التي أعلنها أهالي المدينة تلخص جوهر المعضلات المركبة: الحرية والمواطنة والعدالة. هي في حقيقة الأمر، مسائل أساسية يطالب بها الجميع، هي صوت الناس التي خرجت في سبيلها ثورة شعبية عام 2013. وكلما عدنا الى جذور المشكلات اليومية، نجد ان الشعور بالمواطنة المتساوية، يتراجع، ويفقد الجمهور بذلك جزءا من حقوقه وحرياته، في ظل غياب العدالة والمحاسبة. ومن الطبيعي أن يسود شعور عام بالخيبة، وبالخذلان والمرارة.
يتفاقم ذلك مع الإجراءات المتعلقة بتقييد الحريات العامة. صحيح ان التظاهر، ما يزال غير مقيّد حتى اليوم، وأنه لا معتقلين بسبب الرأي وحرية التعبير. لكن قرار وزارة الإعلام بإيقاف عمل منصات إعلامية، هو سعي لتقييد حرية الإعلام، والتدخل في الحق في حرية الرأي وفي نقل الأخبار وفي تفسير الأحداث. مسألة الترخيص جانبية، وهي ذريعة، بما أن المؤسسات الثلاث، لديها تراخيص مؤقتة سارية. وهذا ما كشفه مسؤولي وزارة الإعلام في ردهم التوضيحي، بشأن "تلفيق الأخبار، وبث الكراهية والتحريض، والتضليل". لكن ثمة مسألة مهمة، لا ينبغي تجاهلها: تعتبر القوى والجماعات الموالية للسلطة، كل رأي مخالف لها، وكل نقد لمسلك سياسي أو أمني، هو بمثابة بث للكراهية، وتحريض على السلطة. من هنا يمكننا أن نرى إلى خطاب السلطة وجماعاتها، بأنه دعوة مباشرة لتقييد الحريات، وإنتاجاً لخطاب التمييز، والتنمر، خاصة وأن وسائل إعلام "الدولة" لا تفتح أبوابها للرأي الآخر.

رايات متعددة
في الوقت الذي أثارت فيه حادثة المساس بالعلم السوري، في احتفالات النوروز في عين العرب، احتجاجات وإدانات واسعة، نجد أن المظاهرات المضادة التي دعى إليها انصار السلطة، قد شهدت غياباً شبه كامل للعلم السوري. لقد رُفعت رايات التوحيد البيضاء، والسوداء، يوم الجمعة الماضي في دمشق وحماه، واللاذقية، وغيرها. هذا مثير للتساؤل عما يرواد المنظمين من ذلك، ومالذي يعنيه ذلك، سوى أنها تحريض ضد "مدنية الدولة السورية"، دولة المواطنة والحرية والعدالة. بل إنها تتجاوز ذلك، لتمثل تهديداً ضمنياً، بالعودة لحمل السلاح دفاعاً عن "سلطة إسلامية" لا سواها. إن ذلك ليس سوى تغليب الولاءات الغير وطنية، على الراية الجامعة لكل السوريين.

السلطة، أزمة ثقة:
السلطة السورية ليست ضعيفة بالمطلق، وهي تمتلك كل مقدرات القوة ومقوماتها، وربما في مقدمها إيمان المجتمع السوري، بالعمل المشترك لاجتياز المرحلة المؤقتة بسلام، في سياق إعادة بناء الدولة. لكنها تبدو وكأنما تراقب بحياد نسبي أحداث الداخل، في الوقت الذي ينبغي فيه أن تتدخل بقوة "القانون" لمنع إهدار الحريات، ووقف خطاب التحريض العدائي، والتنمر الذي يرتقي لاعتباره "خطاب كراهية منظم". مسؤولية الدولة تتجلى أيضاً بتشديد فرض الأمن، وفي حظر حيازة السلاح خارج الدولة، وفي منع عناصرها من الإنحياز لطرف دون آخر، وفي أن تعمل أجهزتها على استعادة الثقة مع الجمهور، وتعزيز حضورها كمظلة قانونية ترعى الجميع في ظل المواطنة، وهذا ما يقود البلاد نحو الخلاص، والمستقبل الآمن، وهو ما يمكن أن يجيب على سؤال يُطرح بقوة: ألهذا خرج السوريين بثورة غالية التضحيات؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول


.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع




.. تقرير حقوقي يرصد أوضاعا قاسية داخل أكبر مركز لاحتجاز المهاجر


.. أخبار الصباح | رسالة عاجلة من الأمم المتحدة.. أوقفوا الحرب ق




.. من رماد الحرائق إلى الإعمار.. إسبانيا تتحرك لإغاثة متضرري إق