الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سيجارة

جعفر حيدر

2026 / 4 / 2
الادب والفن


بقلم/ جعفر حيدر
أشعلتُ سيجارةً وتلذذتُ بها كأنها أولُ سيجارةٍ استنشقتها في حياتي، واستحلّ روحي ذلك الطعمُ الغريب وكأنّهُ حبٌّ يتسلل بخبثٍ إلى قلبي، تهمس به رئتاي كغزلٍ جسديٍّ فاحش، كأنهما تمارسان نوعاً من الخيانة البطيئة ضدي، يتركان داخلي ممتلئاً ببقايا نشوةٍ قذرة لا تُرى ولكنها تُحسّ، دخّنتُ الكثير من السجائر والكثير من الخيبات والمتاعب في حياتي، لكن في مرحلةٍ ما لم أعد أدخّن لأجل الهروب… بل لأجل الفهم، بدأتُ أفتّش داخل هذا الدخان عن معنى، عن تفسيرٍ لهذا التعلّق الغريب بشيءٍ أعرف تماماً أنه يقتلني، وأقحمتُ نفسي في أسئلةٍ سخيفة ومتعبة، لكنّها كانت تلسعني بصدق، وكان أحدها: هل هذا هو الطعم الحقيقي؟ أم أنني تعلّمتُ أن أحبّ الأذى حتى صار طعمه حلواً؟
يا إلهي… كم هو جميلٌ بقدر ما هو قاتل، وكم هو قذرٌ بقدر ما هو صادق، هل في العادة تكون الأشياء الجميلة، الشبِقة، اللعينة… قاتلة؟ أم أننا نحن من نحوّلها إلى ذلك لأننا لا نعرف كيف نحبّ بدون أن نؤذي أنفسنا؟
تذكّرتُ شيئاً مقارباً، شيئاً أقذر من سيجارتي هذه… تذكّرتُ الوطن، نعم، ذلك المفهوم الذي يضعونه في فمك كأنه قصيدة، بينما هو في الحقيقة رصاصة، تذكّرتُ أن حبّ الوطن في بلدي ليس شعوراً نبيلاً كما يدّعون، بل هو نوعٌ من الانتحار المؤجل، تذكّرتُ أن الذين أحبّوه بصدق… ماتوا بصدق، وأن الذين صرخوا باسمه… انتهت أصواتهم تحت التراب، يا إلهي ما هذه الحياة؟ كلّ شيءٍ جميلٍ فيها يحمل بذرة قتلك، كلّ شيءٍ يشبه اللذة ينتهي بك إلى حفرة، حتى الحبّ… حتى الحلم… حتى تلك اللحظة التي تشعر فيها أنك حيّ، تكون أقرب لحظةٍ لموتك.
تذكّرتُ الثوّار في بلدي، لم يكونوا أغبياء كما يصوّرهم البعض، لم يكونوا سُذّجاً، كانوا يعرفون اللعبة جيداً، يعرفون أن هذا الطريق لا يقود إلى نصرٍ نظيف، بل إلى دمٍ كثير، إلى جسدٍ مثقوب، إلى أمٍّ تبكي بطريقةٍ لا يسمعها أحد، ومع ذلك ذهبوا، ليس لأنهم يحبّون الموت… بل لأنهم كرهوا الحياة بهذه الصيغة الوسخة، كرهوا أن يعيشوا بنصف روح، بنصف كرامة، بنصف معنى، فاختاروا أن يخسروا كل شيء دفعةً واحدة، وهذا بحد ذاته… مرعب أكثر من الموت.
هم الآن تحت التراب، وأنا هنا… ما زلتُ أتنفّس، وما زلتُ أدخّن، وما زلتُ أفكّر، لكن السؤال القذر الذي لا يتركني: هل أنا حيّ فعلاً؟ أم أنني فقط أتأخر في الموت أكثر منهم؟ هل الفرق بيني وبينهم هو الشجاعة؟ أم التوقيت؟ أم أنني ببساطةٍ لم أجد بعد الشيء الذي يستحق أن أُدمَّر من أجله؟
أسحب نفساً آخر، أشعر به يحرقني من الداخل، ومع ذلك أبتسم، كأنني أقول له: “أقتلني على هواك وكيف ما تحب”، لأن الحقيقة التي بدأتُ أفهمها، والتي تضربني كصفعةٍ وسخة في وجهي، هي أننا لا نبحث عن الأشياء الجميلة لأنها جميلة… بل لأنها تملك القدرة أن تفعل بنا شيئاً، أن تهزّنا، أن تكسرنا، أن تثبت لنا أننا لسنا ميتين تماماً.
ربما لهذا أحببتُ السيجارة… لأنها لم تكذب، لم تدّعِ الطهارة، لم تلبس قناع الفضيلة، قالت لي منذ البداية: “أنا لذّة وسخة ونهاية بطيئة”… وأنا وافقت، بينما الحياة… كذبت عليّ كثيراً، زيّنت لي الخراب، وسمّت الألم أملاً، وسمّت الخسارة تجربة، وسمّت الصمت حكمة… وأنا صدّقتها كالأحمق.
الصدمة الحقيقية؟
ليست أن الأشياء الجميلة قاتلة…
بل أننا نعرف ذلك… ونركض نحوها بكلّ شغف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اشرف ذكي ويسرا اللوزي في حفل تأبين الفنان الراحل عبد العزيز


.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس




.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي


.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور




.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن