الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تفكيك الوجود وإعادة حلج الذاكرة قراءة في رواية (أحفاد معطف السيد غوغول) للكاتب العراقي القدير (بيات مرعي)
هشام الكيلاني
2026 / 4 / 2الادب والفن
نحن أمام نص يبدو أنه لا يكتفي بمجاورة الكبار (مثل غوغول)، بل يطمح لفتح أفق فلسفي جديد يتجاوز حدود (الثوب) إلى حدود (الوجود).
وعندما نستحضر مراعاة الجوانب الفنية والفلسفية التي طرحتها هذه الرواية في تفكيك الوجود وإعادة حلج الذاكرة .. تُطل علينا الرواية بوصفها نصاً يمارس (المخاتلة الأدبية) بذكاء حاد. فمنذ العتبة الأولى (العنوان)، يظن القارئ أنه بصدد استعادة لقصة (أكاكي أكاكييفيتش) الشهيرة، وهي رواية أو( قصة المعطف) للكاتب الروسي نيقولاي غوغول، والتي نُشرت عام 1842، تُعد واحدة من أعظم القصص القصيرة في تاريخ الأدب العالمي، وقيل عنها العبارة الشهيرة: (كلنا خرجنا من معطف غوغول). الذي ذكرها بيات وستشهد بها في اول صفحاته قبل الغوص في سردية روايته .. لكنه سرعان ما يكتشف أن مرعي لم يستعر من غوغول (الحكاية)، بل استعار (الرمز) ليعيد صياغته ضمن سياق الوجع العراقي والتحولات الوجودية الكبرى.
نعم من هنا نكتشف ان (غوغول) ركز على رحلة أكاكي الفردية لإمتلاك (معطف)، وعندما نمعن النظر في سرديات بيات مرعي نرى انه ركز على رحلة المعاطف نفسها وما تحمله من أرواح وحكايات جماعية لمدينة عانت من الحروب، محولاً المعطف من طموح شخصي إلى شاهد تاريخي.
ومن المكانة إلى الكينونة جاءت او اطلت علينا تحولات الرمز حيث كان في أدب غوغول، كان المعطف يمثل المكانة الاجتماعية والكرامة المهدورة، أما عند بيات مرعي، فقد تحول المعطف من (جماد) يستر الجسد إلى (كائن حي) يستر الذاكرة. المعاطف هنا هم الأحفاد الرمزيون الذين ورثوا قدر المعاناة لا تفاصيل القصة الغوغولية. الرواية تنقلنا من مأساة الفرد الواحد إلى مأساة الجماعة التي تمثلها تلك المعاطف المتراكمة في القبو.
وفي سيميائية المكان اطل علينا القبو كذاكرة للحروب, حيث يتحرك السرد في فضاء مكاني مشحون بالدلالات، القبو تحت البيوت التراثية ليس مجرد ورشة عمل، بل هو (رحم) للتاريخ المنسي. رائحة الرطوبة الممتزجة ببارود الحروب وبقايا الخوذ الصدئة، تجعل من المكان بطلاً يشارك (سليم الأقرع) و(نجيب الأعور) صمتهما وتوجسهما.
فمن خلال سليم الأقرع الذي يمثل السلطة المحركة للقدر (صاحب الماكينة).
أما نجيب الأعور يمثل الرؤية المشوهة أو الناقصة للعالم نتيجة أتون الحروب.
وفي سرديات الرواية أطلت علينا فنتازيا الأشياء فعندما تتكلم الأنسجة ينجح بيات مرعي في منح (الأشياء) لسان حال، فالمعاطف في الرواية تكتسب أرواحاً. نحن أمام سردية موازية لعالم البشر، حيث يتحدث (المعطف الأزرق) عن خيبة الانتظار، ويروي (معطف الصحفي) سيرة القمع. هنا، تتحول الملابس إلى (شهود ملك) على مآسي التاريخ، وكأن الكاتب يريد القول إن الأقمشة تحفظ ما تعجز الذاكرة البشرية عن استيعابه.
وتطل علينا بعدها افعال وحركات أمام ماكنة الحلج أي فلسفة الحلج التي تتبنى دورة البعث والعدم عند بيات ومن هذا المشهد تصل الرواية إلى ذروتها الفلسفية في مشهد الحلج. إن عملية تفكيك المعاطف وتحويلها إلى صوف خام هي عملية إعدام وولادة في آن واحد.
ومن خلال سردية (من الصوف بدأنا وإلى الصوف نعود) هذه العبارة تلخص المذهب الوجودي للرواية، فالحلج هو فعل تطهيري يرمز إلى دورة الحياة، حيث تُسحق الهويات الفردية للمعاطف (الحكايات) لتذوب في الهوية الجماعية (الصوف الخام)، استعداداً لحياة جديدة أو خيبة جديدة.
إن رواية (أحفاد معطف السيد غوغول) هي نص نثري مكثف يتقصى أثر الزمن على الإنسان والأشياء. بيات مرعي لم يكتب رواية عن الخياطة أو الحلج، بل كتب سيرة مدينة كاملة من خلال (مسام) أقمشتها. إنها دعوة للتأمل في بقايانا، وفي تلك المعاطف التي نرتديها.. هل نحن من نلبسها، أم أن خيباتها هي التي تسكننا؟
ارجو ان أكون قد اختصرت هذه الرواية من خلال رؤية نقدية رصينة لعمل أدبي يستحق الاحتفاء.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مهدي لعريبي: من السينما إلى -مافيا-... الجزائر تقبض على زعيم
.. محمد علام وهيثم سعيد: ألبوم محمد عدوية الجديد استكمالا لنجاح
.. فيلم Spider-Man: Brand New Day | البداية اللي كان بيتر محتا
.. محمد عدوية يكشف كواليس ألبومه الجديد ومشروع عن والده أحمد عد
.. ما هو سر علاقة اليهود العرب بأم كلثوم؟