الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قُبلة… خارج النص!

ضيا اسكندر
كاتب

2026 / 4 / 3
كتابات ساخرة


لم أكن أتخيل يوماً أن القدر قد يحنّ عليّ بمفاجأة كتلك. ففي أصيل أحد أيام صيف 1984، وبينما كنت أتجوّل على شاطئ الكورنيش الجنوبي في اللاذقية، أستعرض شبابي كما يستعرض الطاووس ريشه، وقعت عيناي على مشهد سينمائي قيد التحضير: كاميرات، وعاكسات ضوء، وواحد منهم يسحب سكة حديد صغيرة وكأنهم يصوّرون فيلماً ضخماً عن القطارات أو شيئاً شديد الأهمية، بينما هو مجرد مشهد بسيط على الشاطئ.

وبحكم فضولي – الذي لم يقتلني بعد – اقتربتُ حتى كدتُ أتحوّل إلى أحد أفراد الطاقم، وهناك، وقعت عيناي عليها.. ممثلة شهيرة لطالما راودني حلم رؤيتها عن قرب، وربما - إن أفرطتُ في التفاؤل - استنشاق عبيرها أيضاً!

كانت ممددة على فرشة بحرية، ترتدي فستاناً أشبه بتحدٍّ قانوني لكل معايير الاحتشام، وعيناها متوارية خلف نظارات شمسية وهي تقلّب صفحات مجلة ببرود، وكأنها لا تبالي بالعالم المنهار تحت وطأة فتنتها. ساقٌ ممدودة في استرخاء مُترف، والأخرى طُويت لتدعم المجلة، أما أنا، فلو كان للفرح جناح، لوجدتني الآن أحلّق فوق البحر مع طيور النورس!

كان المُخرج يشرح لها المشهد: "سيأتي شاب وسيم... يقترب منكِ... يخطف قبلة من خدّكِ... تضعين المجلة جانباً، تنزعين النظارة، تشتمينه بأقذر ما في القاموس، ثم تنهضين غاضبة". التفت إلى المنتج متسائلاً: "ألم نجد شاباً مناسباً لدور الكومبارس بعد؟".
أجابه المنتج: "الحقيقة وجدت ثلاثة.. لكنهم رفضوا مرتبكين!"

وهنا، التفت إليّ المخرج مبتسماً كصياد رأى أرنباً سميناً، وقال: "أنت هناك... تعالَ قليلاً".
هرعتُ إليه وأنا أكاد أصرخ: "أنا هنا! أنا هنا!" سألني: "كم عمركَ يا بني؟" قلت بفخر: "خمسة وعشرون عاماً، وأستطيع لعب أدوار العشرين والخمسين حسب الحاجة!" سألني: "هل مثّلتَ من قبل؟" قلتُ بحماسة: "لا... لكني أشعر أن التمثيل يجري في دمي!".
ابتسم المخرج كأنما وجد ضالّته، ثم أطلق سحابة دخان من غليونه، وقال: "دورك بسيط: تسير على الشاطئ، ترى الحسناء، تتلمّظ بشفتيك، تندفع نحوها، تقبّلها من خدها، ثم تفرّ هارباً. وأرجوك، لا نريد إعادة المشهد عشر مرات!".
كدتُ أقفز من الفرح.. مشهد رومانسي وأنا البطل؟! أقصد.. الكومبارس؟! وافقتُ فوراً، وبدأت أتمرّن على التلمّظ كفراشة في حضرة الزهور.
صرخ المخرج: "استعداد.. كاميرا 1، كاميرا 2.. 5، 4، 3، 2.. أكشن!"
نفّذتُ المشهد كما طُلب مني، ولكن.. عندما اقتربت من الحسناء، وجدت نفسي – بلا وعي – أطبِقُ شفتيّ على شفتيها بدل خدّها! فجأةً، دوّى صوت المخرج كالقصف: "ستووب!!!" التفتُّ إليه مذعوراً، فوجدتُه يشير إليّ كأنني متّهم بسرقة بنك: "قلنا خدّها، يا بني آدم، وليس فمها!".
اعتذرتُ متلعثماً، وأعدنا التصوير.
"5، 4، 3، 2... أكشن!"
مشيتُ كما في المرة الأولى، تلمّظتُ، اقتربتُ، ثم... ما إن هممتُ بتقبيل خدّها، حتى استدارت فجأة، فوجدتُ نفسي – مرةً أخرى – ملتصقاً بشفتيها!

"ستووب!!!"
صرخ المخرج وهو يضرب رأسه بكفّه: "يا بني آدم! إلى متى سنعيد المشهد؟!"
قلتُ ببراءة الأطفال: "صدقني، أستاذ، كنتُ سأتجه للخد، لكن هي من استدارت، وأنت تعلم أن قوانين الفيزياء لا ترحم!"
تنفّس المخرج بعمق كأنه يتفاوض مع ضغطه، ثم قال: "هذه آخر فرصة، وإلا سأستبدلك بأحد مساعدي الإضاءة!".
كررت المشهد – هذه المرة بنجاح – وبعدها، التفتت الممثلة إليّ، وقالت: "أنت شاب ظريف، هاتِ رقم هاتفك، فقد أحتاجك لدور بطولي في فيلمي القادم".
احمرّ وجهي، ثم تذكرتُ أن حيّنا العشوائي لم يعرف الهاتف الأرضي بعد، فقلتُ بحسرة: "بصراحة... لم يصلني الدور في طابور تركيب الهاتف حتى الآن، لكن يمكنني إعطاؤك رقم الشركة التي أعمل بها!".
ضحكت وقالت: "إذن... خيرها بغيرها".
خرجتُ من موقع التصوير متأرجحاً بين شعور بالفخر وآخر بالخيبة، وبقيتُ لأسابيع أعيش على ذكرى تلك القبلة "العرضية"، متحسراً على أدوار البطولة التي ضاعت في متاهة البيروقراطية الهاتفية! ويبدو أن قدري كان في تلك القبلة الأولى وحسب!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات