الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الدين بين جوهر الرسالة وأقنعة النفاق

أمجد ابو خضر

2026 / 4 / 5
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


في كثير من مجتمعاتنا، لم يعد النفاق حالة فردية عابرة، بل تحوّل إلى ظاهرة عامة تتخفّى خلف عباءة الدين، وتُقدَّم على أنها معيار للصلاح والاستقامة.
أصبح المظهر الديني بديلاً عن الجوهر الأخلاقي، وغدت الطقوس الشكلية أهم من القيم التي يفترض أن تُعبّر عنها. في هذا المناخ، نشأت ازدواجية حادة في المعايير، حيث يُقاس الإنسان بما يُظهر لا بما يُضمر، وبما يُعلن لا بما يمارس.
الدين، في أصله، لم يكن يوماً مجموعة من الطقوس الجامدة أو القوالب الشكلية، بل كان رسالة عميقة تسعى لفهم الوجود، وترسيخ الأخلاق، ونشر العلم، وبناء السلام الداخلي والخارجي.
غير أن هذه الرسالة، مع مرور الزمن، تعرّضت لعملية اختزال خطيرة، ففقدت مركزها الحقيقي، وتحولت إلى مجموعة من المظاهر السطحية التي لا تعكس عمقها ولا غايتها.
لم يعد السؤال: كيف نكون أكثر عدلاً ورحمة ووعياً؟
بل أصبح: كيف نبدو أكثر تديناً؟
وهنا بدأت الأزمة.
حين يُختزل الدين في اللحية، أو اللباس، أو الشعارات، يفقد قدرته على تهذيب الإنسان. بل الأخطر من ذلك، أنه قد يُستخدم لتبرير ما يناقضه تماماً.
فنشهد اليوم كيف تُرتكب أفعال عنيفة، أو تُطلق خطابات مليئة بالكراهية والإقصاء، تحت غطاء ديني، مع إصرار على نسب هذه الممارسات إلى جوهر الرسالة.
في مثل هذا الواقع، ينقلب الميزان:
يُدان المفكّر لأنه يسأل، ويُتهم القارئ لأنه يبحث، ويُقصى من يحاول الفهم لأنه لا يكرّر ما يُملى عليه.
أما الحرية، التي كانت في صلب دعوات الأنبياء، فتُصوَّر كتهديد، والعلم، الذي كان بداية الوحي، يُعامَل كخطر.
هذه المفارقة ليست عفوية، بل هي نتيجة مباشرة لتحالف غير معلن بين الجهل والسلطة.
حين تُدرك السلطة أن الوعي يُهدد استقرارها، تلجأ إلى إعادة تشكيل الخطاب الديني بما يخدم بقاءها، فتُنتج نموذج "التدين المطيع" الذي لا يسأل، ولا يعترض، ولا يفكر.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ"مفتي السلطان"، الذي لا ينقل الدين كما هو، بل كما ينبغي أن يكون في نظر الحاكم.
فيتحول الدين من قوة تحرر الإنسان، إلى أداة تُستخدم لضبطه، ومن رسالة تهدف إلى العدالة، إلى وسيلة لتبرير الواقع القائم.
لكن، رغم كل ذلك، يبقى جوهر الدين عصياً على التشويه الكامل.
ففي أعماقه، لا يزال يحمل دعوة صادقة للمعرفة، والحرية، والعدل، والرحمة.
والمشكلة، في حقيقتها، لا تكمن في الدين ذاته، بل في الطريقة التي يُفهم ويُستخدم بها.
إن استعادة المعنى الحقيقي للدين لا تبدأ بإصلاح المظاهر، بل بإعادة طرح الأسئلة:
لماذا جاء الدين؟ ولمن؟ وما الغاية منه؟
وهل نحن نمارسه كقيمة إنسانية، أم نستخدمه كهوية شكلية؟
في النهاية، لا يمكن لمجتمع أن ينهض وهو يقدّس القشرة ويهمل اللب،
ولا يمكن لإنسان أن يكون حراً وهو يخاف من التفكير.
الدين الذي بدأ بكلمة "اقرأ"،
لا يمكن أن يُختزل في الصمت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 7-The worst of creatures in Allah-s view are those who disbe


.. دار الإفتاء تعلن الأحد أول أيام شهر ذى القعدة 1447هـ وتخالف




.. تغطية خاصة | المقاومة الإسلامية في لبنان تؤكد جاهزيتها العال


.. 6- And because Allah is not unjust to the servants / Al-Anfa




.. 4- But Allah is the Best of planners / Al-Anfal / 29 - 37