الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تشريح العقل السياسي لليسار الإيراني

حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)

2026 / 4 / 6
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها


انسداد الأيديولوجيا وصدمة الذاكرة: تشريح العقل السياسي لـ "اليسار الإيراني" ومسارات التحرر

في مختلف العلوم، من الرياضيات إلى العلوم الإنسانية، يُعد فهم القضية نصف حل المشكلة. هذا المبدأ الأساسي يكتسب أهمية مضاعفة عند تحليل الظواهر السياسية المعقدة. وفي الفضاء الفكري الإيراني، يبرز "اليسار" كحركة ممتدة لأكثر من قرن، ارتبطت تاريخياً بالعدالة الاجتماعية ونقد الرأسمالية. ومع ذلك، تعيش هذه الحركة اليوم حالة من الانسداد الفكري والنفسي ناتجة عن مزيج من الهزائم التاريخية والارتباط بأطر أيديولوجية مغلقة. يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الأزمة عبر ثلاثة محاور: طبيعة المفاهيم السياسية، سيكولوجية الصدمات الجماعية، وآليات الخروج نحو عقلانية ديمقراطية.

لطالما كان الرابط بين العقلانية والديمقراطية محط اهتمام المنظرين السياسيين. فالديمقراطية ليست مجرد نظام مؤسساتي، بل هي بحاجة أيضاً إلى نوع من "الثقافة السياسية" التي يستطيع فيها المواطنون اتخاذ قرارات بشأن القضايا العامة عبر استخدام الاستدلال، والحوار، والنقد المتبادل. إن ثقافة كهذه تتطلب وجود مواطنين قادرين على الابتعاد عن الأطر الفكرية المغلقة ودراسة القضايا من زوايا مختلفة.
في مثل هذه الحالة، لا يكون الإنسان أسيراً لقوالب فکریة ثابتة، بل يكون "باحثاً" يسعى عبر العقل والتجربة والحوار إلى فهم تعقيدات العالم الإنساني. إن نتيجة هذا التحول يمكن أن تكون تشكّل فردٍ يلتزم بقيم مثل العقلانية، والتسامح، والديمقراطية، بدلاً من الولاء الأعمى للأيديولوجيات. يمكن اعتبار مثل هذا الفرد نموذجاً لـ "الديمقراطي الأصيل"؛ وهو الشخص الذي لا يرى في حرية الفكر وتنوع وجهات النظر تهديداً لهويته، بل يراها شرطاً أساسياً لمجتمع حر.

لقد تجسدت الأزمة بوضوح عقب الثورة الإيرانية عام 1979، والتي أصبحت تُعرف بـ "الثورة المجهضة". كان اليسار الإيراني حينها يلعب دور المحرك الأساسي للتغيير، سواء على صعيد الفكر أو التنظيم، لكنه وجد نفسه بشكل مأساوي ضحية للتصفية السياسية التي نفذها النظام الثيوقراطي الجديد. هذه الصدمة المدفوعة بالهزيمة التاريخية أسهمت في بلورة ظاهرة أشبه بـ"تشتت الهوية"، تجسدت في عقدة الذنب الناتجة عن الشعور بمسؤولية غير مباشرة في تمكين نظام "الولي الفقيه" خلال مراحله الأولى. بدلًا من مواجهة الحقائق ومراجعة الأدوات الفكرية، لجأت بعض قوى اليسار إلى تقديم تبريرات جامدة للفشل، ما عمَّق الأزمة الفكرية وأطال أمدها.

واحدة من أهم المعضلات التي واجهت اليسار الإيراني هي السقوط في فخ ما يمكن وصفه بـ "الثنائية القاتلة". فالتمسك بمبدأ "معاداة الإمبريالية" دفع بعض أفراد هذا التيار إلى الوقوع في حيرة سياسية، حيث ابتُلي بتردد وارتباك واضح في معارضة النظام الشمولي بصورة جذرية ومباشرة، خشية أن يُفهم ذلك على أنه تقاطع مع مصالح الغرب. هذا التناقض الفكري أوجد حالة من الانفصام السياسي أمام قاعدته؛ فمن جهة يدافع عن الحريات وينادي بتحقيقها، ومن جهة أخرى ينخرط في تبرير سياسات قمعية تحت ذريعة حماية "المقاومة". النتيجة كانت فقدان القدرة على تحديد "العدو الأساسي" الذي ينبغي مواجهته في السياق الراهن، وهو ما زاد من تعقيد المشهد وجعل الرؤية غير واضحة لمعالجة التناقضات الجوهرية والثانوية.

تحويل المفاهيم إلى "أصنام" أيديولوجية

المفاهيم مثل "اليسار" و"اليمين" ليست حقائق فيزيائية لها وجود مستقل، بل هي أدوات اختيارية صاغها العقل البشري لفهم الواقع الاجتماعي. الأزمة تبدأ عندما تتحول هذه "الأدوات التحليلية" إلى "قوالب أيديولوجية" صماء. فالأيديولوجيا تمنح الفرد شعوراً زائفاً بالأمان المعرفي عبر تبسيط العالم وتقسيمه إلى ثنائيات حادة (خير/شر، ثوري/مرتجع)، مما يضعف القدرة على الحكم المستقل والعقلاني.

لم يتشكل اليسار الإيراني في فراغ، بل نبت في بيئة مشبعة بالأبوية والاستبداد التقليدي. أدى هذا السياق إلى إعادة إنتاج الأنماط العقلية القديمة تحت قشرة "حداثية"؛ فصار القادة شخصيات كاريزمية مقدسة، وتحولت النظريات إلى "نصوص مقدسة"، وأصبح الاختلاف في الرأي "خيانة". لقد استوعب اليسار الإيراني الأيديولوجيات العالمية، لكنه أعاد تفسيرها وفق "برمجيات" الثقافة السياسية المحلية التي تفتقر لتقاليد الحوار والمؤسساتية.

الصدمة الجماعية وتوريث الألم
الذاكرة كجرح وجودي
تشكلت هوية اليسار الإيراني من خلال سلسلة من الصدمات: قمع حزب تودة، فشل الحركات المسلحة، وإعدامات الثمانينيات الكبرى. هذه الأحداث لم تكن مجرد "خسارة معركة"، بل تحولت إلى "صدمة جماعية" (Collective Trauma) أثرت على الهوية والذاكرة والبنية الإدراكية للمجموعة.

وفقاً لنظريات علم النفس تميل الجماعات المصدومة إلى الاحتفاظ بأحداث الهزيمة كرمز رئيسي لمعاناتها. في الحالة الإيرانية، أنتج هذا الانسداد أنماطاً إدراكية معطلة:
• رؤية العالم من خلال الأعداء والحلفاء: فقدان المرونة السياسية لصالح الصراع الصفري.
• سردية الضحية المستمرة: الهروب من المراجعة النقدية عبر الاحتماء بالمظلومية الأخلاقية.
• انتقال الصدمة عبر الأجيال: توريث مشاعر الغضب وعدم الثقة للأجيال الشابة، مما يحول الأيديولوجيا إلى "ذاكرة عاطفية" معزولة عن الواقع المتغير.

مسار الخروج.. نحو "الديمقراطي الأصيل"

الخطوة الأولى للتحرر هي الوعي بنسبية المفاهيم. عندما يدرك الفرد أن الأيديولوجيا هي منتج بشري وظرف تاريخي، يتاح له فرصة "الابتعاد النقدي". هذا الخروج غالباً ما يصاحبه شعور بالفراغ وانعدام اليقين، وهي مرحلة برزخية ضرورية لتشكل استقلال فكري حقيقي.

في غياب الإجابات الجاهزة، يضطر الفرد لاستخدام "عقله" كآلية لفحص الأدلة ومقارنة وجهات النظر. العقل هنا ليس عقيدة، بل هو "عملية" تقبل تعقيد العالم وتعدد طبقاته، وتؤكد على البحث عن الحقيقة عبر الحوار والتجربة.

إن إدراك عجز أي إطار فكري عن الإحاطة بكل تعقيدات العالم هو جوهر التسامح. التسامح هنا ليس تنازلاً، بل هو اعتراف بأن الاختلاف طبيعة إنسانية. هذا التحول يؤدي إلى ولادة "الديمقراطي الأصيل"؛ وهو الفرد الذي يلتزم بقيم العقلانية والتسامح، ولا يرى في تنوع وجهات النظر تهديداً لهويته، بل شرطاً أساسياً لمجتمع حر.

من سجن الذاكرة إلى أفق الحرية
إن تجاوز الانسداد الفكري لليسار الإيراني ليس مجرد ترف نظري، بل هو ضرورة سياسية لبناء مستقبل ديمقراطي. إن الانتقال من "المناضل المصدوم" الذي يعيش في أقبية الماضي، إلى "المواطن العقلاني" الذي يشتبك مع تعقيدات الحاضر، هو الجسر الوحيد لكسر دائرة الاستبداد. إن الديمقراطية تبدأ داخل العقل أولاً؛ بفتح النوافذ لرياح الشك، وبقبول "الآخر" كشريك في الحقيقة، وبتحويل مآسي التاريخ من "أغلال" إلى "دروس" في حماية الكرامة الإنسانية.
إن تجاوز الصدمة الجماعية لا يعني نسيان الماضي، بل يعني تحويله من "قيد" يمنعنا من الحركة إلى "درس" يحثنا على بناء مستقبل لا تتكرر فيه مآسي الإقصاء. إن العقلانية والديمقراطية هما الجسر الوحيد الذي يمكن أن يعبر عليه المجتمع الإيراني من ضفة "الانسداد والارتباك" إلى ضفة "الحرية والسيادة".


في سياق الثقافة السياسية المليئة بالصدمات كما هو الحال مع اليسار الإيراني، غالباً ما كان يُنظر إلى التسامح باعتباره نوعاً من "الضعف" أو "الاستسلام".
التسامح في جوهره هو تعبير عن "نضج عقلاني". فالشخص الواثق من قوة عقله لا يخشى مواجهة الآراء المختلفة، بل يعتبرها فرصة لاختبار صلابة أفكاره ومدى منطقيتها.
عندما يتحرر الفرد من ارتباط هويته بـ"جمود النصوص القديمة" ويتجه نحو ربطها بـ"ديناميكية الفكر والعقل"، يصبح أقل عرضة للخوف وأكثر انفتاحاً. أما المجتمع الذي يتمتع بهذه السمة، أي تقبّل التنوع بثقة، فإنه يصبح منيعاً أمام عودة الاستبداد، سواء أكان استبداداً ذا طابع ديني أو أيديولوجي.
أما ما يُعرف بمرحلة "التعافي المعرفي"، فهي مرحلة التحول من فهم مكامن الخلل (كالانسداد الأيديولوجي وآثار الصدمة الثقافية) إلى تطبيق الحلول الناجمة عن "العقلانية المنفتحة".
فيما يتعلق بخبرة اليسار الإيراني، كان العقل في كثير من الأحيان أداة لخدمة النص، سواء كان ذلك النص ماركسياً أو حزبياً. ومع ذلك، فإن النقلة النوعية المقترحة هنا تتمثل في جعل العقل هو المرجع الأعلى لتقييم النص ذاته. هذا التحول يغير دور الفرد من كونه مجرد "حارس للعقيدة" إلى أن يصبح "مستكشفاً للواقع"، ساعياً نحو الحقيقة بلا قيود مسبقة."
. تحطيم "صنم" اليقين للواقع المعقد والمتداخل بطبقاته المتعددة يمثل العلاج الحقيقي لمشكلة "تبسيط الواقع" التي تتسم بها الطروحات الأيديولوجية. القبول بهذا التعقيد يعني التخلي عن الإحساس بـ"الأمان الوهمي" الذي كانت تقدمه الثنائيات المألوفة مثل (خير/شر، ثوري/مرتجع). إنها خطوة تحتاج إلى جرأة لأنها تُعرّض الفرد لمواجهة "قلق معرفي"، ولكنها تعد الوسيلة الوحيدة للخروج من حالة الجمود.

في أوساط اليسار الذي يعاني من صدمة الهوية، كان الآخر—سواء أكان ليبرالياً، دينياً، أو حتى من بين الرفاق المنشقين—يُعتبر خطراً يهدد الهوية. لكن عندما ينتقل الحِوار من نطاق "صراع الهوية" إلى "تفاعل معرفي"، تنتفي الحاجة إلى استخدام "لغة التخوين". في هذا السياق، لا يكون الاختلاف "خيانة" بل يتحول إلى "إثراء". هذا التحول النفسي يشكل الأساس لتأسيس مجتمع ديمقراطي قائم على التعددية، وهو ما يمكن أن يكون ركيزة إيران المستقبل.

قبول اختلاف الرأي يعني التخلص من اعتباره تهديداً للهوية. هذه النقطة تمثل عنصراً حاسماً في معالجة الصدمة الجماعية التي تميل فيها الجماعات المصدومة إلى الخوف من الاختلاف بحجة أنه يعرض تماسكها الهش للخطر. العودة إلى قوة التفكير العقلاني تقتضي أن يصبح الفرد قادراً على تجاوز الاعتماد المفرط على الهوية الجماعية أو الطائفية، ليكتسب قيمته الفردية باعتباره كياناً واعياً يمارس النقد الذاتي بثقة وشجاعة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - ‏إنها ازمة اليسار في كل المنطقة وليس فقط في ايران
د. لبيب سلطان ( 2026 / 4 / 6 - 08:38 )
عزيزي الاخ حميد
ماجاء في مقالتك ينطبق ايضا على عموم اليسار في الشرق الاوسط و المنطقة العربية ولعل تشخيصك بما اسميته الثنائية القاتلة هي اهم ماتمتاز به حركات واحزاب اليسار في المنطقة فهي كانت دوما مستعدة لقبول نظم ديكتاتورية على حساب اقامة نظم الديمقراطية عندما تدعي الاولى انها مناهضة لامبريالية حدث هذا في مصر وسوريا والعراق اضافة لايران وغيرهما من بلدان المنطقة أي ان يسارنا وضع الصراع مع الامبريالية والاميركية خصوصا هو هدفه الاعلى وخطابه ومهامه كفصيل اممي سوفياتي وليس فصيلا اجتماعيا سياسيا ذو هدف اقامة نظم حقوقية ديمقراطية كما تقتضيه حال المنطقة ومهمة اليسار الاولى فيها اذا اعتبرنا مفهوم اليسار هو التقدم الاجتماعي الداخلي نحو الديمقراطية وليس النضال على جبهة مجابهة الامبريالية العالمية كما كان ولازال وهو احد طرفي الثنائية القاتلة التي سلبت اليسار دوره الداخلي الحقيقي واضعفته وافشلته
اصلاح اليسار يبدأ من هذه النقطة بالذات وتحوله لمعركة قيادة الديمقراطية تحديدا وهو مايتطلب تحولا جذريا في المفاهيم والطروحات من المؤدلجة الى المنفتحة الحضارية وخصوصا الغربية التي يرفضها يسار اليوم ..يتبع


2 - -2 ازمة اليسار في المنطقة هي كما في ايران
د. لبيب سلطان ( 2026 / 4 / 6 - 09:02 )
اود اكمال تعليقي ان واحدة من اكبر المطبات التي وقع بها اليسار الايراني والعربي في المنطقة هو العداء للحضارة الغربية ومارس الاكاذيب الرخيصة على شعوبنا ان الحضارة الغربية ذات ديمقراطية مزيفة وحريات كاذبة وهي عدوانية واستبدادية وتخدم الرأسمال والاغنياء لاغير وهي طبعا جزء من الدعاية السوفياتية التي تبناها اليسار في المنطقة كفصيل اممي يعمل للسوفيت وليس لمجتمعاته.
طبعا لايعترف اليسار العربي ان نظم الغرب الديمقراطية ترجع اساسا لنضال اليسار السياسي والاجتماعي فيها الذي نجح في اقامة نظمها على اسس فلسفة حقوق وحريات المواطنة الليبرالية ولايعترف ان اهم مهام اليسار في اقامتها ولا هي جوهر واساس الحضارة المعاصرة بل يعتبرها نظما رأسمالية برجوازية كما قرأها في النصوص المؤدلجة وهنا تصح العبارة ان العقل المؤدلج عبدا للنص وليس لتشخيص المهام وفق الواقع والذي يقول ان مهمة اليسار ادخال التحضر والديمقراطية للمنطقة كما يراها الناس في الغرب وليس حمل راية معاداة الغرب
لن تقوم لليسار قائمة دون تبني هذه المهمة والتحول من عداء الحضارة الى الاخذ بقوانينها واسسها كما في الغرب واولها اقامة نظم ديمقراطية حقوقية


3 - اليسار المازوخي
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 6 - 12:40 )
عزيزي د. لبيب، تحية طيبة
كان على بالي أن أضيف ألى مقالي ملاحظة أن أفكاره تنظبق على الحزب الشيوعي العراقي و اليسار العربي و حتى العالم ثالثي
تعليقاك اغنياني عن ذلك
هذا اليسار أسميه يسار قومي ولا يشمل تنظيمات فحسب بل يشمل ايضا مفكرين ومثقفين
لا يرون في الغرب الا الاستعمار والامبريالية و الرأسمالية البشعة لهذا نراهم التقوا مع الخميني و ناصر و صدام والقذافي
لي مقالات سابقة في هذا المجال
منشوره في الحوار المتمدن ومنصات اخرى
شكرا والاقاك على خير


4 - لي رأي آخر في هذه المسألة
ادم عربي ( 2026 / 4 / 6 - 21:53 )
الصديق حميد تحية طيبة وانت بلا شك أخبر الناس في الشأن الإيراني... إلا أن لي تعليق في هذه الحالة:
بعد الثورة الإسلامية عام 1979 لم تكن الأزمة فقط أزمة عقل سياسي لليسار الإيراني، بل أزمة هوية جماعية. النظام الجديد أعاد إحياء المظلومية الشيعية كهوية تاريخية راسخة في الوجدان الإيراني، وربطها بالعداء للإمبريالية، فالتف الناس حولها باعتبارها أكثر أصالة من الخطاب اليساري. بذلك وجد اليسار نفسه وقد خسر أرضيته الرمزية التي كان يحتكرها في الحديث عن العدالة والمستضعفين، واضطر إما إلى التساوق مع الهوية الجديدة أو البقاء معزولا. الصدمة التي عاشها اليسار لم تكن مجرد ارتباك نفسي أو فكري، بل نتيجة مباشرة لتحول هوياتي عميق نقل مركز الثقل من الأيديولوجيا اليسارية إلى الهوية الدينية-الثورية


5 - تماهي اليسار التقليدي مع اللطمية العمومية1
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 6 - 22:33 )
تعليقك رفيقي، يطرح تساؤلات عميقة حول إشكالية -التماهي مع المركز- داخل العقل السياسي لليسار، لا سيما في نسخته الشرقية التي لم تتمكن بالكامل من التحرر من تأثير الإرث السوسيولوجي والديني الذي شكل هويتها وخياراتها. هذا التماهي يبدو جلياً في محاولات التوفيق بين الأيديولوجيات الحداثية والمعطيات التقليدية التي تتحكم في الوعي الجمعي.
مهدي عامل، دون شك، كان حالة استثنائية في قراءته النقدية لهذه الإشكاليات. فقد تنبه مبكراً إلى خطورة -أسلمة الصراع- وربط ديناميات التاريخ بقوى دينية، محذراً من أن أي تحالف مع القوى الثيوقراطية بذريعة مناهضة الإمبريالية لن يؤدي إلا إلى طائفية الصراع الطبقي، مما يعني بالضرورة تقويض الدور التغييري والنقدي لليسار. وفي نظره، فإن -البرجوازية الطائفية والدينية- و-النمط الكولونيالي- لا يمكنهما إنتاج الحرية، حتى لو رفعا شعارات معادية للغرب، لأنهما، في جوهرهما، يعيدان إنتاج بنى السيطرة والاستغلال.

يتبع


6 - تماهي اليسار التقليدي مع اللطمية العمومية2
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 6 - 22:35 )
المسألة المتعلقة بتقارب اليسار العراقي والإيراني من فكرة -الشهادة الحسينية- تكشف بعداً نفسياً عميقاً يمكن ربطه بما يمكن وصفه بـ-مازوخية سياسية- والتي تناولتها في مناسبة سابقة . ففي سعيهما للتقرب من الجماهير، لم يقتصر الأمر على استلهام -العدالة الحسينية- كإطار نظري لقضية اجتماعية، بل استوردا أيضاً نزعة -كربلائية الفعل-، حيث تحول الاستشهاد إلى غاية بحد ذاته بدلاً من كونه وسيلة لتحقيق مشروع سياسي ملموس.
وعندما جاء الخميني في 1979، لم يكن إلا معبراً عن المخيال الجمعي الذي جرى تغذيته وتدعيمه عبر الزمن. أعاد الرجل صياغة -أيقونة المظلومية- إلى حيزها الديني التقليدي واستعادها كمصدر للنفوذ والشرعية. وهنا ظهر اليسار بمظهر المتعلم المتلعثم، نسخة مشوهة تعاني من فقدان البوصلة أمام -صاحب المظلومية الأصلي-، الذي تمكن ببراعة من تحويل رموز الماضي وأدواته لصالح مشروع رجعي يحكم قبضته على الحاضر.
يتبع


7 - تماهي اليسار التقليدي مع اللطمية العمومية3
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 6 - 22:37 )
كما أشرتم، النظام الإيراني الجديد تمكّن من تقويض نفوذ التيار اليساري عبر استحواذه على مصطلح -المستضعفين-. بينما كان اليسار يدعو إلى مصالح -البروليتاريا-، وهو مفهوم مستورد يفتقر إلى الارتباط العملي أو العاطفي بحياة الفلاحين والعمال البسطاء، استعانت الثورة الإسلامية بمصطلح -المستضعفين-، وهو تعبير يحمل دلالات عاطفية وتاريخية متجذرة في الثقافة الإسلامية، ويرتبط نصيًا وقيميًا بالخطاب القرآني.
هذا التحوّل أفضى إلى حالة من الإرباك داخل الأوساط اليسارية. وجد اليسار نفسه أمام خيارين: إما التماهي مع السلطة الجديدة عبر السعي إلى إثبات وطنيته وانتمائه للهوية الأصيلة، أو الانسحاب إلى دائرة الهامش السياسي. وبما أن البناء النفسي والفكري لليسار قد ترسخ تاريخيًا على قاعدة -التعامل مع الخسارة كنوع من الإحياء الذاتي-، فإن هذا التيار كان في معظم الأحيان يميل إلى الاستسلام مجددًا لحالة العزلة السياسية.
يتبع


8 - تماهي اليسار التقليدي مع اللطمية العمومية4
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 6 - 22:40 )
أمّا الحزب الشيوعي العراقي، فمن الممكن تفسير ميله إلى استدعاء تجارب الماضي المأساوية، مثل -موقعة بشتاشان- و-قطار الموت- و-إعدامات العهد الملكي- ومذابح الحرس القومي، من خلال ما يمكن تسميته بـ-آليات الصدمة المختارة-. هذه العودة المستمرة إلى التاريخ المؤلم تهدف إلى إعادة تأكيد وجود الحزب ومعاناته كدليل على شرعيته، وكأنه يردد ضمنيًا: -نحن نحمل عبء الألم، إذاً نحن جديرون بالبقاء-.
غير أن هذا التركيز على البعد العاطفي والتاريخي حال دون قدرة الحزب على التحول إلى قوة سياسية مدنية حداثية تقود خطابات أكثر ارتباطاً بالتحديات الراهنة كقضايا الاشتراكية والتنمية الاقتصادية والتكنولوجيا الحديثة والحكم الرشيد.
يتبع


9 - تماهي اليسار التقليدي مع اللطمية العمومية5
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 6 - 22:42 )
وبدلاً من ذلك، ظل الحزب متمسكًا بخطاب -الدم والتضحية-، معتقدًا أن هذا الموقع هو الذي يمنحه التفوق الأخلاقي أمام السلطة والقوى المهيمنة، رغم افتقاره إلى أي تأثير فعلي في المشهد السياسي. بين تحذيرات مهدي عامل المستندة إلى العقلانية النقدية وانغماس اليسار في أشكال أشبه بـ-الحسينية السياسية-، افتقدت تيارات اليسار هويتها المستقلة. ولم يعد يُنظر إليها كمشروع تغييري بديل بقدر ما أصبحت مُستهلَكة في اجترار المآسي التاريخية والتمسك بدور الضحية. هذه الحالة من -الانسداد الأيديولوجي- جعلت هذه الحركات عاجزة عن إعادة بناء ذاتها، غير قادرة على العمل في واقع يخلو من عدو واضح أو على تطور خطاب يبني رؤى مستقبلية دون الارتكاز الحصري إلى مظلوميات الماضي.
أ
تحياتي وألقاك على خير


10 - تفكيك دقيق لوضع اليسار الايراني
ملهم الملائكة ( 2026 / 4 / 7 - 12:14 )
شكرا لجهد البحث استاذ حميد، وما ذهبتم اليه يعمّ ليشمل كل اليسار في الشرق الاوسط عموما كما تفضل د لبيب السلطان، ولكن ما لمسته في المشهد الايراني، أن الملالي وحزبهم (جمهوري اسلامي) قد نجحوا في سحب القاعدة الجماهيرية إلى صفهم، فباتت القاعدة اليسارية الجماهيرية قاعدتهم، وبات اليسار عقيدة النخبة وليس عقيدة الجماهير. وهذا التوصيف نفسه ينطبق على المشهد العراقي والافغاني وحتى التركي إلى حد ما، فاليسار التركي يريد أن يكون مع حكومة اردوغان لأنّ قاعدته الجماهيرية ذهبت إلى أردوغان، وهكذا هي حيرة اليسار عموما. شكرا لجهودكم استاذ حميد


11 - مداخلة مهمة للاستاذ الملائكة
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 7 - 12:26 )
إنها بالفعل -حيرة وجودية-. اليسار اليوم في منطقتنا يشبه -مؤسساً لشركة- تم طرده منها من قبل المساهمين (الجماهير)، وهو الآن يقف على الرصيف، إما يندب حظه وتاريخه (المازوخية والانسداد)، أو يحاول التودد للمدير الجديد (القوى الدينية/الشعبوية) ليجد له مقعداً في الصفوف الخلفية.

تحليلك يفتح الباب للتساؤل: هل يمكن لليسار أن يعود -جماهيرياً- دون أن يتحول إلى نسخة مشوهة من خصومه الدينيين؟ أم أن قدره أن يبقى -ضميراً نخبويأً- معزولاً في -متحف الضحايا-؟

شكراً لك على هذا الحوار الثري والعميق.
تحياتي وألقاك على خير


12 - تحياتى لك الاخ الاستاذ حميد
على عجيل منهل ( 2026 / 4 / 7 - 17:52 )
تعد كيرالا المطلة على بحر العرب،-نموذج ناجح- آخر ولاية يحكمها الشيوعيون في الهند. وقد شكلت فيها اول حكومة شيوعية منتخبة ديمقراطيا في العالم عام 1957، تحت تأثير مثال ثورة أكتوبر ونجاحات حركات التحرر الوطني والمقاومة ضد الاستعمار.
وتتميز كيرالا بتركيبتها السكانية الفريدة، حيث يشكل الهندوس نصف السكان تقريبا، في حين يشكل المسلمون 27 في المائة والمسيحيون 18 في المائة، وهو عامل يفسر مقاومتها لليمين العنصري الهندوسي، الذي غزا ولايات الهند الأخرى.
وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التقليدية، نجحت كيرالا في تحقيق ما يُعتبر معجزة تنموية، حيث نسبة من يجيدون القراءة والكتابة تجاوزت، أكثر من ثلاثة عقود، 90 في المائة، ونظام صحي قوي مع معدل وفيات رضع لا يتجاوز 5 لكل ألف ولادة حية، وأمن غذائي مستدام، وبيئة أعمال ميسّرة مقارنة بولايات أخرى.
وفي تشرين الثاني 2025، أعلنت الحكومة الشيوعية القضاء على الفقر المدقع، ليصبح معدل الفقر وفق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 0.5في المائة فقط،


13 - تجربه واقعيه للحزب الشيوعى واليسار الثورى
على عجيل منهل ( 2026 / 4 / 7 - 17:54 )
إن الشيوعيين المحليين بقيادة عضو الجمعية التشريعية في كيرالا براسانث، يؤكدون أنهم سيحققون الفوز للمرة الثالثة على التوالي.
بيد أن الكاتب يشير إلى أن المشهد الانتخابي في كيرالا لا يقتصر على الشيوعيين، حيث تجمّع حشد أكبر للاستماع إلى بريانكا غاندي، الحفيدة الكبرى لأول رئيس وزراء للهند، جواهر لال نهرو، في حملة انتخابية لحزب المؤتمر الوطني الهندي وتحالف الجبهة الديمقراطية المتحدة الذي يسعى لإنهاء هيمنة الشيوعيين.
وتظهر استطلاعات الرأي تعادلا بين تحالف الجبهة الديمقراطية اليسارية، بقيادة الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) وتحالف الجبهة الديمقراطية المتحدة في حين يُتوقع أن يحقق حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي العنصري الهندوسي مكاسب قياسية في ولاية لم يكن يحصد فيها سابقا إلا مقعدا واحدا.
ويصف السكان المحليون السياسة في كيرالا بأنها جزء من حياتهم اليومية، إذ يشارك الأطفال والعائلات في المسيرات والاحتفالات الحزبية، كما تجري مناقشات سياسية حامية على زوايا الشوارع.


14 - نموذج كيرالا
حميد كوره جي ( 2026 / 4 / 7 - 22:44 )
تحية لأخي الأستاذ علي، وشكراً لنقله هذا التحليل الثري حول -نموذج كيرالا- الفريد.

من الواضح أننا أمام تجربة استثنائية في الهند، حيث استطاعت هذه الولاية أن تكسر القواعد التقليدية للتنمية. فبينما تركز الكثير من الاقتصادات الناشئة على -النمو الرقمي- الصرف، ركزت كيرالا على -التنمية البشرية- كأولوية قصوى، وهو ما جعلها محط أنظار الباحثين الاجتماعيين والسياسيين حول العالم.
ما حققته كيرالا في مجالات التعليم والصحة يضاهي الدول المتقدمة وليس فقط الولايات الهندية الأخرى. نموذج كيرالا يثبت أن -الإنسان الكادح-، كما ذكرت في مطلع كلامك، يمكنه أن ينال حقوقه الأساسية في الكرامة والتعليم والصحة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الواعية والتنظيم الشعبي القوي.
شكرا وتحياتي

اخر الافلام

.. مسؤول أمريكي سابق يحدد شروط التوصل لاتفاق بشأن الملاحة في مض


.. السلطات الصحية في جمهورية الكونغو: ارتفاع عدد الوفيات الناجم




.. عاجل | الديوان الأميري القطري يعلن وفاة الأمير الوالد الشيخ


.. انفعال عسكري أم دفاع عن النفس؟.. سجال بشأن استهداف إيران لدو




.. إيران تجدد هجماتها على البحرين وقطر والإمارات والكويت