الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الرأسمالية المالية: أموال تنفصل عن الإنتاج وتفرض هيمنتها.

عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)

2026 / 4 / 6
الادارة و الاقتصاد


لم تعد الرأسمالية في طورها الراهن مجرد نظام يقوم على الإنتاج وتبادل السلع، بل تحولت إلى منظومة مالية معقدة تتجاوز الاقتصاد الحقيقي وتعيد تشكيله وفق منطقها الخاص. فعندما نتحدث اليوم عن"الرأسمالية المالية"، لا يعني ذلك أن المراحل السابقة لم تكن قائمة على المال أو لم تسع إلى تراكمه، بل إن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة هذا المال ومصدره ووظيفته داخل النظام الاقتصادي.
في الرأسمالية التقليدية، كان بالإمكان تتبع مصادر الثروة بشكل واضح؛ فهي ناتجة عن إنتاج الحبوب أو القطن أو الصناعات النسيجية وغيرها من القطاعات الملموسة. أما اليوم، فقد أصبحت كتلة هائلة من الأموال تتحرك داخل أسواق مالية عالمية وثيقة الترابط بيها، فيما تلك الأموال فقدت أي علاقة مباشرة بالإنتاج الفعلي. إنها أموال تتداول في البورصات، تجري المضاربة بها وتراكم في زمن قياسي، حتى صار حجمها يفوق بكثير ما ينتجه الاقتصاد الحقيقي.
لفهم الحجم الحقيقي لهذه الكتلة المالية، يكفي التوقف عند الأرقام المرتبطة بالأسواق المالية العالمية، وخاصة سوق الصرف(الفوركس) الذي يعد الأكبر عالميا. فوفقا لبيانات حديثة، يبلغ متوسط حجم التداول اليومي في هذا السوق ما يقارب 9,5 تريليون دولار يوميا، وهو رقم يفوق الناتج الداخلي الخام لاقتصادات كبرى، بل ويتجاوز مجموع التداولات اليومية في العديد من القطاعات الإنتاجية. ولا يعكس هذا الرقم سوى جزء من النشاط المالي العالمي، إذ تضاف إليه تداولات المشتقات وأسواق الأسهم والسندات، ما يجعل الحجم الإجمالي للأموال المتداولة يوميا أضخم بكثير. إضافة إلى ذلك يعرف هذا السوق نموا سريعا.
أفرز هذا الانفصال بين المال والإنتاج تحولات عميقة، أبرزها هيمنة الرأسمال المالي على مختلف الأنشطة الاقتصادية، بل وحتى على قرارات الدول وسياساتها. فبدل أن يكون المال في خدمة الإنتاج، أصبح الإنتاج نفسه خاضعا لشروط الأسواق المالية ومتطلباتها، مما يضعف السيادة الاقتصادية للدول ويجعلها رهينة لتقلبات الأسواق.
ولعل من أخطر سمات هذه المرحلة الإفراط في المضاربات المالية ذات المخاطر العالية. فالرأسمال المالي، بحثا عن أرباح سريعة، ينخرط في عمليات مضارباتية قد تؤدي إلى انهيارات مفاجئة في أسواق التمويل. وقد شهد التاريخ الحديث نماذج صارخة لذلك، بدءا من أزمة سنة 1929 التي انطلقت من بورصة “وول ستريت”، مرورا بالأزمة المالية العالمية سنة 2008، وصولا إلى الأزمات المتكررة التي يشهدها الاقتصاد العالمي اليوم. غالبا ما تكون البنوك الكبرى أولى ضحايا هذه الانهيارات، مما يهدد مدخرات الأفراد ويزرع الخوف في صفوف الطبقات الوسطى، التي تكون أول من يؤدي الثمن، دون ان يكون لها يد في ما جرى، بفقدان الشغل وجزء من مدخراتها.
إلى جانب ذلك، يبرز الطابع المعولم للرأسمال المالي كعامل حاسم في تعميق الأزمات. فقد أصبح بإمكان المستثمرين نقل أموالهم بسرعة من مناطق أقل ربحية إلى أخرى أكثر جذبا، دون اعتبار يذكر للآثار الاجتماعية أو لمصير العمال. وتبدو الرأسمالية المالية، في هذا السياق، كالنار التي تقفز من منطقة إلى أخرى بحثا عن الوقود؛ فبمجرد أن تستنفد فرص الربح في مجال أو بلد ما، تنتقل بسرعة إلى فضاءات جديدة حيث تتوفر شروط تحقيق أرباح أعلى، تاركة خلفها آثارا اقتصادية واجتماعية ثقيلة.
وقد تجلى ذلك بوضوح منذ تسعينيات القرن الماضي، حين انتقلت استثمارات عديدة من أوروبا الغربية والولايات المتحدة إلى دول أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، مستفيدة من انخفاض الأجور وضعف الحماية الاجتماعية. هذا الواقع دفع بعض المحللين إلى وصف العامل في ظل هذه المنظومة بـ"العامل القابل للاستبدال" (ouvrier jetable)، في إشارة إلى هشاشة وضعه داخل سوق العمل.
إن مسلسل الأزمات في ظل الرأسمالية المالية لم يعد استثناء، بل أصبح سمة بنيوية لهذا النظام. فمنذ منتصف التسعينيات، مرورا بأزمة 2008، وصولا إلى الأزمات الراهنة، يتكرر السيناريو ذاته: توسع مالي غير مرتبط بالإنتاج، يليه انفجار مفاجئ، ثم تدخلات لإنقاذ المؤسسات الكبرى، غالبا على حساب المجتمع.
في المحصلة، تكشف الرأسمالية المالية عن مفارقة عميقة: نظام ينتج ثروات هائلة، لكنه في الوقت نفسه يولد هشاشة اقتصادية واجتماعية متزايدة. وبينما تستمر الأسواق في فرض منطقها، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة الدول والمجتمعات على استعادة التوازن بين المال والإنتاج، وبين الربح والاستقرار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم


.. مستقبل أسعار النفط بعد عودة التصعيد الأمريكي الإيراني




.. قراءة اقتصادية | أزمة هرمز تهدد إمدادات الطاقة العالمية وسط


.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة




.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على