الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القطيع والذكاء الاصطناعي

داود السلمان

2026 / 4 / 6
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مقولة منسوبة لمخترع المسدس الحديث صامويل كولت، القائلة: "اليوم تساوى الشجاع والجبان" (المقولة غير مؤكدة تاريخية) لكن ممكن الاستفادة منها، من باب "المصاديق" ليس إلّا. ومن مصاديق هذه المقولة، سأسمح لنفسي أن أقول (عند ذكر الذكاء الاصطناعي) اليوم تساوى القطيع (+ العوام) والأذكياء. بل أن القطيع (موجودون في كُل زمان وأوان) هُم أساس تأخر شعوبنا العربية والإسلامية، لأنهم الغالبية العظمى التي تحكمنا ومصائرنا، وتتحكم فينا ايضا، من خلال ادارتها للمؤسسات – السياسية والثقافية والاقتصادية – أو من خلال تأييدها وتصويتها، وكذلك لنشرها على "السوشل ميديا"، بترويجها ودعمها للترهات والسفاسف، والقضايا التي لا تمس الواقع بصلة، وهي (أي القضايا) تخدم مصلحة القائمين المباشرين لرؤون القطيع، من المستفيدين الأوائل، أصحاب رؤوس الأموال، الذين يدسون في عقول القطيع ما يدسون من خراب فكري وتهديم عقلي، بمعنى أنهم لا يريدونهم أن يفكروا ويعوا، فلو أنهم فكروا و وعوا سينقلبون ضدهم، لهذا يقولون لهم: لا تسمعوا أعدائكم وما ينشرون من بضاعة، ويقصدون بالبضاعة: الأفكار التنويرية، تلك الأفكار التي تحثهم على القراءة وطلب والمعرفة، والاهتمام بالقضايا العلمية وما يُنشر العالم من تكنولوجيا، وقضايا الساعة – بمختلف العلوم والفنون والتقدم العلمي الذي يشهده العالم، (الثورة الصناعية الجديدة) بينما نحن ما نزال غارقين في تفاهات الماضي (+القديم البالي): لا نعي لا نفكر لا ندرك، كأننا نعيش خارج الزمان والمكان، نعيش في القرون الوسطى. وهذا هو الذي يريدونه بالضبط، فهو سلاحهم الذي يقتالون به، وبالتالي فإن القطيع سيصيرون هم الضحية، ولكن لا يعلمون.
نعم، قد تساوى...اليوم فالذكاء الاصطناعي، صار مطية يركبها كل مَن هبَ ودب، حيث استغله القطيع، بل فرح به، فصرنا نسمع بنقاد وكتّاب وحتى صحفيين واعلاميين، من الذين يكتبون الأخبار والتقارير الصحفية، والتحليلات السياسية، (لم يكن لهم ذكر من قبل) فيظهرون هنا وهناك بكل كبرياء ليروجوا ضاعتهم. والطامة الكبرى ثمة مَن يصفق لهم، ويدعمهم بكل ما أؤتي من قوة، وليس هذا فحسب، بل ثمة مؤسسات وهمية، تدعي الثقافة والمعرفة، تمنح هويات (+ باجات) انتماء، فتصنفهم: بـ "شعراء، أدباء نقاد، كتّاب"، بل تعدى الأمر ليتجاوز ذلك بكثير، فصاروا يمنحون شهادات ماجستير ودكتوراه وحتى رسل سلام، وهلمَّ جرّا...وهناك من ينشر (ما يُمنح) على صفحته الفيسبوكية، مفتخرا.. والطامة أنه يلاقي لايكات وتهاني، واحتفال وهمي.
القطيع هم بلاءنا، بل دائنا الذي لا يشفى ولن يشفى، طالما هذا الداء معشعش في صفوفنا، وبقوة، وبدعم لوجستي (محلي وخارجي)، من مؤسسات وجمعيات واحزاب، وشخصيات كبيرة لها سطوة ونفوذ، ويدٍ طولة وباع طويل في خراب المجتمعات، وتجهيل البشر.
وبلا شك، مغبة الأمر تقع على عاتق المثقفين الحقيقيين، من المبدعين والمخترعين والانسانيين (وهم بكثرة ولله الحمد) لكنهم ساكتين خانعين (البعض خائف على منصبه والآخر خائف على نفسه) لا يتكلمون، وإذا تكلموا يشيرون على استحياء، إشارة خائف يتلفت، ويحسب للكلمة التي يروم النطق بها ألف حساب (مثال ذلك كاتب عراقي معروف، في جلسة له في اتحاد الادباء، قبل كم شهر، قال أنه يعيد قراءة ما يكتبه عدّة مرات "لأن الكلمة مسؤولية") وهذا قمة الخوف والترقّب، من المجهول، فانطروا إلى اين وصل بنا الأمر، هو أن نخاف من قول "كلمة حق عند سلطان جائر"، والكلمة هذه أقل ما يقال عنها: كلمة ثقافية ربما تخدم مجتمع في طوره الى الانزلاق، أكثر فأكثر، في بحر الجهالة، والتخلف المعرفي والثقافي.
وبالمناسبة، فأن مجموعة "القطيع" وقد أطلق عليهم غوستاف لوبون تسمية "الجماهير" على اعتبارهم هُم الأغلبية، وكونهم دائما ما تجدهم يتجمهرون على فكرة بعينها، مجرد أن دُعوا اليها، لا لكونهم مؤمنون بها، بل دعاهم من ينتمون اليه، فهم يطيعون فحسب.
ففي كتابه "سيكولوجيا الجماهير" وهو كتاب يتحدث فيه الكاتب حول "علم نفس الجماهير"، وفيه يوضح، كيف أنهم ممكن أن يغيروا واقع رواهن، ويبلدوا حقائق، وبطريقهم إلى أن يحولوا كل شيء الى خراب ودمار، لأنهم يتصرفون ليس بعقولهم المحضة، بل بالعقل الجمعي، وهذه أكبر كارثة بحق الانسانية، وبالتاريخ ايضا. وفي بداية هذا المقال ذكرنا أن القطيع متأثرون بالماضي، ويستلون معلوماتهم من تاريخ الماضين.
لوبون يشك بأحداث تاريخية كثيرة، وشخصيات ايضا كثيرة، لكنه يعدها وهمية ولا وجود لها، حيث بعض الشخصيات من التي يقول عنها خيالية، قد كتب التاريخ عنها سيرهم الشخصية الغارقة بالمثالية، والبطولة الزائفة، والجماهير تأثرت فيها تأثيرا بليغا. "فالأشخاص الذين أثروا على الجماهير كانوا ابطالا اسطوريين وليسوا ابطالا حقيقيين"(1)
وأختم: الى متى نحن غارقون بالماضي، وننظر الى الحاضر بعين الشك والريبة، وكان الاجدر بنا أن تكون نظرتنا معكوسة، أي نشك بالماضي، ونفكر بالحاضر، لأن الحاضر نعيشه الآن ويمكن تغييره، والماضي لا نعلم عنه شيء ولم نستطع تغيره.
(1) (أنظر: غوستاف لوبون، "سيكولوجيا الجماهير" ص 66، الطبعة الأولى 2021، منشورات دار الروايات العالمية، ترجمة وتقديم: هاشم صالح).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. 8-Knowing that there is a weakness in you / Al-Anfal / 65 -


.. 7-The worst of creatures in Allah-s view are those who disbe




.. دار الإفتاء تعلن الأحد أول أيام شهر ذى القعدة 1447هـ وتخالف


.. تغطية خاصة | المقاومة الإسلامية في لبنان تؤكد جاهزيتها العال




.. 6- And because Allah is not unjust to the servants / Al-Anfa