الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الغربان السود تسيطر على سوريا: هل حان الوقت لإزاحة الدين من المشهد السياسي السوري كما فعلت أوروبا؟
منصور رفاعي اوغلو
2026 / 4 / 7العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
ما الذي جلبته لنا عقود خلط الدين بالسلطة في سوريا والمنطقة؟ مزيدًا من الدم، مزيدًا من الوصاية، مزيدًا من الكذب باسم السماء. كل فاشل يريد أن يحكم بلا مساءلة يرفع راية الدين، وكل جماعة تريد ابتلاع الدولة تبدأ أولًا بابتلاع الدين من ضمير الناس ثم تزعم أنها ناطقة باسمه. وحين يصبح الحاكم أو الحزب أو الميليشيا ظلًا للإله على الأرض، تنتهي السياسة ويبدأ الابتزاز: من يعارضهم لا يعود خصمًا سياسيًا، بل متهمًا في إيمانه وأخلاقه ووجوده.
هذه هي الكارثة السورية في أحد وجوهها القبيحة: تحويل الدين من علاقة روحية وأخلاقية إلى عصا أمنية، ومن مساحة إيمان فردي إلى آلة فرز وتخوين وتطويع. لا يعود السؤال: من يحكم بكفاءة وعدالة وقانون؟ بل: من يصرخ أعلى باسم العقيدة؟ من يحتكر الجنة أكثر؟ من يملك قدرة أكبر على تلبيس الاستبداد عباءة مقدسة؟ وهكذا تتحول الدولة إلى منبر، والقانون إلى فتوى، والمواطن إلى تابع يُفحص قلبه قبل أن تُحفظ حقوقه.
المشكلة ليست في الدين بوصفه إيمانًا. المشكلة في تسييس الدين، في تحويله إلى سلاح، إلى مشروع سيطرة، إلى رخصة مفتوحة لإلغاء الإنسان. حين يدخل الدين إلى السلطة لا يبقى دينًا في معناه النقي، بل يصبح جهازًا إداريًا للقمع. وحين تمسك الجماعات المؤدلجة بالمشهد، لا تطهّر المجتمع كما تزعم، بل تفسده مرتين: مرة حين تكذب على الناس باسم الفضيلة، ومرة حين تسرق منهم حقهم في الاختلاف باسم الحقيقة المطلقة.
أوروبا لم تصبح أوروبا الحديثة لأنها صلّت أكثر، ولا لأنها منحت رجال الدين مفاتيح الدولة. أوروبا خرجت من حروب دينية مدمرة إلى نظام سياسي يضع السلطة تحت القانون، ويعترف بحرية الفكر والضمير والدين، ويحمي أيضًا حق الإنسان في تغيير دينه أو ألا يتبنى دينًا أصلًا. المحكمة الأوروبية ومنظومة مجلس أوروبا تؤكدان حرية الفكر والضمير والدين، كما تؤكدان أن نقد الأفكار الدينية يجب أن يبقى ممكنًا في المجتمع الديمقراطي، وأن الدولة مطالبة بالحياد تجاه الأنشطة الدينية. هذا لم يكن “إلغاءً للدين”، بل إزاحةً لهيمنته السياسية حتى لا يتحول الإيمان إلى سجن عام.
هنا يجب قول ما يخشاه كثيرون بوضوح: نعم، سوريا تحتاج إلى إخراج الدين من المشهد السياسي. ليس لأن الناس يجب أن يتخلوا عن إيمانهم، بل لأن الوطن لا يمكن أن يبنى على احتكار الحقيقة. الدولة ليست مسجدًا كبيرًا، وليست كنيسة كبيرة، وليست حسينية كبيرة، وليست ساحة دعوية بميليشيات. الدولة عقد مواطنة، قانون عام، مؤسسات، حقوق متساوية، وقواعد لا تتبدل بتبدل مزاج الواعظ أو المسلح أو الزعيم الملتحف بالمقدس.
ومن يكذب على السوريين ويقول لهم إن “الحل” هو مزيد من الدين في السياسة، فهو يبيعهم السم في قارورة ماء. لأن مزيدًا من الدين في السياسة يعني ببساطة مزيدًا من الوصاية على النساء، مزيدًا من قمع الفكر، مزيدًا من تفتيش الضمائر، مزيدًا من تحويل الخلاف المدني إلى حرب وجودية. وحين تصبح السياسة معركة بين “ممثلي الله”، لا يبقى مكان للمواطن، بل فقط للقطيع.
لقد جرّب السوريون ما يكفي من الأصنام الأرضية والسماوية. جربوا القائد الأبدي، وجربوا الحزب الأبدي، وجربوا الرايات السوداء التي تعدهم بالجنة وتمنحهم المقابر. والنتيجة واحدة: خراب. لذلك فإن الإصرار على إبقاء الدين في قلب السلطة ليس محافظة على الهوية، بل إصرار على إعادة إنتاج الكارثة. إنه عناد أعمى، أو مصلحة خبيثة، أو خوف جبان من الحرية.
ما تحتاجه سوريا ليس “تجديد خطاب ديني” تديره السلطة أو الفصائل. هذا غالبًا مجرد طلاء جديد على جدار قديم. ما تحتاجه هو خطوة أكثر جرأة: تجفيف المنبع السياسي للتقديس. أي أن يصبح رجل الدين مواطنًا لا وصيًا، وأن تصبح الأحزاب الدينية مجرد أحزاب تُحاسب مثل غيرها إن خالفت الدستور، وأن يُمنع أي احتكار للحقيقة باسم السماء داخل مؤسسات الدولة، وأن تكون الشرعية من الشعب والقانون، لا من الميكروفون والمنبر.
سيقول البعض إن هذا “استنساخ لأوروبا”. وهذا كلام كسول. ليست القضية استنساخًا، بل تعلّمًا من تجربة بشرية واضحة: عندما امتزجت السلطة بالمقدس انفجرت الحروب، وعندما وُضعت السلطة تحت القانون فُتح باب التعدد والحقوق. أوروبا اليوم تحمي حرية الدين وحرية عدم الدين معًا، وتحمي أيضًا حرية انتقاد المعتقدات ضمن حدود القانون؛ أي أنها لم تُلغِ الإيمان، بل أخرجته من فم الدولة وعصاها.
أما في سوريا، فالمطلوب ليس حربًا على المتدينين، ولا إهانة لمشاعر الناس، بل العكس تمامًا: تحرير الدين نفسه من السوق السياسية القذرة. لأن السياسي حين يلبس ثوب القداسة يفسد السياسة والدين معًا. يفسد السياسة لأنه يجعل نفسه فوق المحاسبة. ويفسد الدين لأنه يحوّله إلى شعار انتخابي أو بندقية أو محكمة تفتيش.
لهذا، نعم، حان الوقت. بل تأخر الوقت. حان وقت أن يُقال بوقاحة صحية: أبعدوا الدين عن كرسي الحكم. أبعدوا المنابر عن صياغة الدستور. أبعدوا القداسة عن أجهزة الأمن والقضاء والتعليم. دعوا الناس تؤمن كما تشاء، وتعبد كما تشاء، وتختلف كما تشاء، لكن لا تسمحوا لأحد بعد اليوم أن يحكم السوريين بتفويض مزعوم من السماء.
سوريا لا تحتاج غربانًا سوداء جديدة تنعق فوق جثثها باسم الخلاص. سوريا تحتاج دولة مدنية حقيقية، لا تستأذن الفقيه كي تعترف بالمواطن، ولا تسأل الشيخ قبل أن تحترم المرأة، ولا تنتظر فتوى كي تحمي حرية التفكير. ما لم يحدث ذلك، سنظل ندور في الحلقة نفسها: استبداد بوجه جديد، وسجون بآيات، وخراب يقدَّم للناس على أنه فضيلة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 8-Knowing that there is a weakness in you / Al-Anfal / 65 -
.. 7-The worst of creatures in Allah-s view are those who disbe
.. دار الإفتاء تعلن الأحد أول أيام شهر ذى القعدة 1447هـ وتخالف
.. تغطية خاصة | المقاومة الإسلامية في لبنان تؤكد جاهزيتها العال
.. 6- And because Allah is not unjust to the servants / Al-Anfa