الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للأستاذ حيدر علي الفتلاوي
جعفر حيدر
2026 / 4 / 8الادب والفن
بين حرارة الصدق وتوتر الخطاب: قراءة في قصيدة بعث تشرين للاستاذ حيدر علي الفتلاوي
بقلم / جعفر حيدر
أهنا كان هتاف الناس من قبل عقودٍ وعقود؟ بهذا الاستهلال الذي يقوم على استفهام مكاني مشحون بالذاكرة، يضعنا النص مباشرة أمام فضاء ليس عادياً بل ميداناً تتراكم فيه الأزمنة وتتشابك فيه الوقائع، فتغدو كلمة "أهنا" أشبه بمفتاح يفتح أبواب التاريخ دفعة واحدة، وهذه بداية موفقة تمنح القصيدة بعداً درامياً واضحاً، غير أن تكرار الاستفهام بصيغة متقاربة يضعف قليلاً من كثافة الافتتاح لأنه يعيد الفكرة دون أن يضيف طبقة جديدة من المعنى، ومع ذلك يبقى التكرار في عموم النص أداة إيقاعية ناجحة تسهم في خلق توتر داخلي ينسجم مع طبيعة القصيدة الثائرة، إذ يتكئ الشاعر على مخزون رمزي كثيف حين يستحضر ملحمة الأبطال وجبريل ونار المجوس، وهو استدعاء يدل على وعي ثقافي واسع، لكنه يقع أحياناً في مباشرة ثقيلة تجعل بعض العبارات أقرب إلى الخطاب منها إلى الشعر، كما في قوله "أهنا مات إله الفرس"، حيث تبدو الصورة صادمة وقوية لكنها تميل إلى الطابع الشعاري أكثر من كونها صورة شعرية مفتوحة على التأويل، وهنا تتجلى إحدى أبرز إشكاليات النص في تأرجحه بين الشعر والخطاب، بين الصورة والبيان، فلا يستقر تماماً في منطقة الشعر الخالص، ومع ذلك فإن هذا التوتر نفسه يمنح القصيدة حرارة وصدقاً لا يمكن إنكارهما، خاصة حين يبلغ النص ذروته في تكرار "إنهم حين يريدون بلاداً"، حيث ينتقل الشاعر من لغة التنديد إلى لغة الحلم، ومن الرفض إلى صياغة بديل إنساني واضح، وهذه النقلة تُعد من أقوى مفاصل القصيدة لأنها تكشف عن وعي يتجاوز مجرد الاحتجاج إلى بناء رؤية، رغم أن التكرار كان يمكن ضبطه أكثر لتفادي شيء من الترهل، أما الصور القاسية مثل "لسان الناس مقطوع... يمشي مثل ذيل الوزغ" فهي تعكس خيالاً جريئاً وصادماً، لكنها تميل أحياناً إلى الفجاجة وتعتمد على الأثر المباشر أكثر من العمق الرمزي، وهو خيار أسلوبي قد يلفت الانتباه لكنه يخصم شيئاً من أناقة التعبير، في حين يأتي ختام القصيدة متماسكاً وقوياً، خاصة في نفيه أن يكون الله داعماً للعنف أو قمع الكلمة، حيث يبرز الصوت الأخلاقي للشاعر ويمنح النص بعداً إنسانياً يتجاوز الإطار السياسي الضيق، وبصراحة فإن ما يميز هذه القصيدة ليس اكتمالها الفني بقدر ما هو صدقها العالي، فهي لا تبدو مصنوعة بقدر ما تبدو مندفعة من تجربة داخلية حقيقية، وهذا الصدق يمنحها قوة خاصة تجعل القارئ يتجاوز بعض هناتها الأسلوبية مقابل حرارة الشعور المتدفقة فيها، ولا بدّ من الإشارة، بكل ما تحمله الكلمة من اعتزاز وصدق، أن هذه القصيدة ليست نصاً عابراً لشاعر مجهول، بل هي من نَظم والدي حيدر علي الفتلاوي، الأمر الذي يضفي عليها بُعداً خاصاً يجعل قراءتها تجربة مزدوجة؛ بين التلقي النقدي والإحساس العميق بقيمة الصوت الذي يقف خلف الكلمات، صوتٌ لم يكتب ليُجيد فحسب، بل ليقول ما يؤمن به بجرأة وحرارة، ولو أراد الشاعر أن يطور هذه التجربة أكثر فسيكون من المفيد أن يخفف من المباشرة ويمنح الصورة الشعرية مساحة أعمق ويتعامل مع التكرار باقتصاد أكبر، مع الحفاظ على هذه النبرة الصادقة التي تُعد جوهر النص وروحه، لأن كثيراً من القصائد قد تتفوق شكلاً لكنها تفتقر إلى هذه الروح، أما هذه القصيدة فتمتلك روحاً حاضرة لا يمكن تجاهلها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كلمة أخيرة - الفنان أحمد جلال عبد القوي مات بنوع نادر من الس
.. هاني شنودة تنبأ لي إني هكون فنانة كبيرة.. الفنانة سيمون تحكي
.. غياب تام للمطربين فى جنازة الموسيقار هانى شنودة والشاعرة نور
.. لحظة تشييع جثمان الفنان أحمد عبد القوي وسط حالة من الحزن
.. انتظرواالمخرج أحمد خالد أمين في حلقة خاصة من برنامج #ON_Set