الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المنطقة على حافة انفجار جديد: قراءة في المؤشرات الحالية.

حامد الضبياني

2026 / 4 / 8
قضايا ثقافية


ليست الحروب في منطقتنا سوى عودةٍ متكررة لذات المشهد، كأن التاريخ هنا لا يمشي إلى الأمام بل يدور حول نفسه، يجرّ خيباته كما تجرّ العجوز عباءتها المثقوبة، ويعيد إنتاج الخوف بأسماءٍ جديدة ووجوهٍ قديمة. الهدنات ليست سوى فواصل إعلانية قصيرة بين مشهدين من مسلسل طويل عنوانه: من يربح الرماد أكثر.في هذا المسرح المشتعل، تقف إيران كمن يبتسم في مرآة مكسورة، ترى نفسها منتصرة في كل شظية، بينما الحقيقة موزعة بين الركام والدخان. لا لأن النصر حقيقي، بل لأن الحاجة إليه أشد من الحقيقة ذاتها. فالنظام الذي يروي لمواطنيه حكاية التفوق، لا يملك رفاهية الاعتراف بأن الجدران تصدعت، وأن الداخل يئنّ بصمتٍ ثقيل، كمدينةٍ أطفأت أنوارها خجلاً من خرابها.وفي الجهة الأخرى، تقف الولايات المتحدة، لا كحَكَمٍ عادل كما تُحب أن تُصوّر نفسها، بل ككاتب سيناريو بارع، يوزع الأدوار بدقة، ويترك للجميع وهم البطولة، بينما يحتفظ لنفسه بحق النهاية. لا تُمانع أن تُمدد الهدنة، ولا أن تُشعل الحرب، فهي تعرف أن الزمن في صالح من يملك القدرة على الانتظار، لا في صالح من يستهلك نفسه في الشعارات.أما إسرائيل، فهي لا تبحث عن نهاية، بل عن استمرار التوتر كحالةٍ دائمة، لأن الاستقرار في هذه البقعة يعني خسارة سردية الخطر. لذا، فإن ضرباتها ليست فقط عسكرية، بل هي رسائل تُكتب بالنار لتقول: “ما زلت هنا، وما زال الخوف مشروعاً قائماً”.لكن الحقيقة الأكثر سخرية، أن الجميع يتحدث عن النصر، بينما لا أحد يملك تعريفاً واضحاً له. النصر هنا ليس إلا خطاباً إعلامياً يُبثّ، يُستهلك، ثم يُستبدل بخطابٍ جديد، أكثر صخباً وأقل صدقاً. وكأن الشعوب ليست سوى جمهورٍ في مدرجات مسرح، يُطلب منه التصفيق حين يُرفع الستار، والصمت حين تسقط القذائف.السيناريوهات التي تُرسم اليوم، ليست توقعات بقدر ما هي انعكاس لعجزٍ عميق. حربٌ تعود لأنها لم تنتهِ أصلاً، تصعيدٌ يتضخم لأن أحداً لم يتعلم من الخراب السابق، ومضيقٌ كـ مضيق هرمز يتحول من شريان حياة إلى حبل مشنقة يلتف حول أعناق الجميع. هنا، النفط لا يُقاس بالبراميل، بل بعدد التوابيت المؤجلة.أما الحديث عن استسلامٍ كامل، أو بيعٍ للنفس في “سوق النخاسة العالمي”، فليس إلا تعبيراً شاعرياً عن لحظة انهيارٍ محتملة، لكنها في السياسة ليست بهذه البساطة. الدول لا تُباع، بل تُعاد صياغتها، ولا تنهار دفعةً واحدة، بل تتآكل ببطء، كما يتآكل الحديد في الماء المالح، حتى إذا ما انكسر، بدا الأمر مفاجئاً لمن لم يراقب الصدأ.الساخر في الأمر، أن الاتفاقات التي يُفترض أنها تُنهي الأزمات، غالباً ما تُكتب بذات الحبر الذي تُكتب به أسباب الحرب. التخلص من اليورانيوم، إنهاء الصواريخ، فتح المضائق، رفع الأيدي عن الوكلاء… كلها تبدو شروطاً لعالمٍ مثالي، لكنها في الواقع ليست سوى أوراق تفاوض، تُستخدم حيناً وتُرمى حيناً آخر، بحسب اتجاه الريح.وفي خضم هذا كله، تبقى الشعوب هي الثابت الوحيد في معادلة متغيرة. هي التي تدفع الثمن، وتُصدّق الرواية، ثم تُفاجأ بأن الرواية كانت مجرد فصلٍ في كتابٍ لم يُكتب لها أن تقرأه كاملاً. هي التي تُقنع نفسها بأن القادم أفضل، بينما القادم ليس إلا نسخة أكثر تعقيداً من الأمس.ربما الحرب قادمة، وربما لم تغادر أصلاً. وربما كل هذا الضجيج ليس إلا تمهيداً لضربةٍ أكبر، أو صفقةٍ أعمق، أو خديعةٍ أذكى. لكن المؤكد، أن المنطقة لم تعد تحتمل مزيداً من البطولات الوهمية، ولا مزيداً من الانتصارات التي تُعلن فوق أنقاض البيوت.
وفي النهاية، لا أحد ينتصر حقاً… الجميع فقط يتقن تأجيل الهزيمة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرس الثوري: واشنطن انتهكت الهدنة باستهداف سفينة تجارية إير


.. انقسام هرم السلطة.. صراع الإصلاحيين والمتشددين يربك إيران




.. تفاعلكم | نهاية صادمة لقضية مذبحة كرموز ومحامي الجاني يفجر م


.. نقاش الساعة | مفاوضات إسلام آباد.. تصريحات متضاربة ورفع السق




.. كيف تحاول إيران الالتفاف على الحصار البحري الأمريكي؟