الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


النصر الإيراني والوهم المقدس

مجدي جورج

2026 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


دعونا نؤكد على عدة أمور في البداية، وهي:

أولًا، أن الحرب ما هي إلا وسيلة من وسائل ممارسة التفاوض، ولكن بصورة ساخنة، فعندما تفشل المفاوضات يلجأ أطرافها لمحاولة تحقيق أهدافهم بالقوة، بما يعني أن الحرب مرحلة مؤقتة مهما طالت، والسلم والعلاقات الطبيعية هي الأصل.

ثانيًا، الحروب المنتصر فيها خاسر، بمعنى أنه مهما كان حجم انتصار أحد الأطراف كبيرًا وتمكنه من تحقيق أهدافه عاليًا، إلا أنه لا بد أن تكون له معاناة، ومعاناة شعبه وجيوشه واقتصاده، فما بالك بالطرف المهزوم!

ثالثًا، في الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، يقولون إن أمريكا هي المعتدية هي وإسرائيل، ويتناسون أن ما حدث هو نتيجة تراكمات لها 47 عامًا من العداء، بدأ منذ أول أيام ثورة الملالي في إيران، والتي كان من أول هتافاتها: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل (الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر). وكانت من أول أفعال إيران احتجاز رهائن أمريكيين في سفارة أمريكا في طهران لمدة 444 يومًا، والتي قُتل فيها المارينز في لبنان بواسطة ذراعها القذر حزب الله.

رابعًا، إيران استولت على القرار في أربع عواصم عربية، هي صنعاء وبيروت ودمشق (لفترة طويلة) وبغداد، والتي جعلت من هذه الدول دولًا فاشلة. ولم تكتفِ بذلك، بل حاولت سحق دول الخليج بخلق اضطرابات قوية باستغلال الأقليات الشيعية في تلك الدول، ولولا يقظة هذه الدول والحماية الأمريكية لها لابتلعتها إيران، كما ابتلعت الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى، وكذلك ما يُعرف بعربستان العربية التي كانت موجودة على شط الخليج من الناحية الغربية.

خامسًا، تعالوا إلى الحرب الأخيرة، والمتغنون بالنصر الإيراني، الذين تغنوا سابقًا بنصر حماس في غزة، نقول لهم: اهدؤوا قليلًا واصبروا. فعندما تنقشع الغيوم وتهدأ الأمور، ويقف الحرب تمامًا، ويتم معرفة حجم الدمار الذي أصاب إيران وأعادها سنوات إلى الخلف، ستعرفون حجم النصر الحقيقي. للأسف، سترون كيف دُمّرت المصانع والجسور، وقُطعت الروابط بين المدن، وكيف دُمّرت بحريتها وطائراتها ومطاراتها.

سادسًا، تقولون إن إيران هي من فرضت شروطها، بل وتكذبون كما تتنفسون، وتقولون إنها هي التي كانت رافضة التفاوض. قليل من حمرة الخجل، عيب عليكم.

أكاد أتخيل المشهد عكسيًا: أن طائرات إيران هي التي كانت تدك واشنطن ونيويورك وكاليفورنيا، وأن حاملات الطائرات الإيرانية "خميني" و"خامنئي" و"رفسنجاني" هي التي كانت تحاصر السواحل الأمريكية وتطلق صواريخها ليلًا ونهارًا على الأراضي الأمريكية. أتخيل أنكم تعيشون في وهم أن إيران هي التي قتلت ترامب مع أربعين من قادته في أول يوم للحرب، وأن خامنئي كان قد حدد موعدًا لتنازل أمريكا عن سلاحها النووي وتقليص برنامجها الصاروخي، وأنه إن لم تقبل القيادات الثالثة في سلم القيادة الأمريكية بعد اغتيال قيادات الصف الأول والثاني، فإنه كان سيدمر أمريكا ويقضي على حضارتها.

سابعًا، أنتم يا من تروجون للنصر المزيف وفرض إيران لشروطها العشرة كما تزعمون، تتناسون أنها هدنة نتمنى أن تتحول إلى اتفاق سلام لوقف الحرب فعليًا، وأن من بين الشروط العشرة كما تقولون هو التعهد الأمريكي الإسرائيلي بعدم العودة لضرب إيران مجددًا. فهل هناك طرف انتصر ويخاف من عودة الطرف المهزوم لضربه مجددًا؟!

ثامنًا، من ضمن الشروط التي تقولون إن إيران فرضتها هي عدم ضرب أذرع إيران. فهل تصدقون أنفسكم في هذا؟ القوات الإسرائيلية موجودة بالفعل داخل لبنان، ومليون نازح لبناني هارب إلى الشمال، وتقولون عدم الضرب؟ احصلوا على اتفاق في البداية بانسحابهم وعودة النازحين، وبعدها تحدثوا عن عدم الضرب.

تاسعًا، من ضمن الشروط أيضًا إنهاء التواجد الأمريكي وغلق القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة. بصراحة، حالتكم أصبحت صعبة للغاية عندما تصدقون هذا الهراء. لو قبلت أمريكا هذا، فبكل تأكيد فإن دول الخليج بعد كل ما حدث لها لن تقبل. فكيف تقبل ذلك وصواريخكم ومسيراتكم التي وُجهت إليها كانت أكثر من التي وُجهت لإسرائيل؟ كيف تقبل ذلك وأنتم كنتم تحاصرونها وتهددونها؟ فكيف سيكون الحال عندما توقعون اتفاقًا مع الأمريكان؟

دول الخليج الصغيرة لن تقبل أبدًا بغلق القواعد الأمريكية فيها، خوفًا منكم ومن أطماعكم التوسعية ورغبتكم في تصدير الثورة الشيعية لدول الجوار.

عاشرًا وأخيرًا، للأسف الشعب الإيراني هو الخاسر الأكبر في هذه الحرب. فهذا الشعب، الذي قامت من أجله الحرب، والذي ثار ضد النظام الديني الثيوقراطي الذي يحكمه قبل الحرب بأيام، والذي قُتل منه 35 ألف إيراني، وكان يتطلع للخلاص من هذا النظام، الحرب تكاد تنتهي ولا يزال النظام جاثمًا على صدره، وإذا تحقق له اتفاق ما فقد يبقى طويلًا، وقد يزيد من قبضته الحديدية وينتقم من شعبه أشد الانتقام.

ما تفعله القيادة الإيرانية من ترويج لنصر كاذب، ووراءها نخبة عربية ومصرية بالذات تروج لمثل هذا الانتصار، سبق أن مارسه عبد الناصر عندما ادعى كذبًا أنه انتصر على العدوان الثلاثي، ومارسه صدام عندما ادعى كذبًا أنه انتصر، وكلاهما سقط وكان سقوطهما عظيمًا. وبالتأكيد، قصر أم طال الوقت ، سيسقط النظام الإيراني، وسيكون سقوطه عظيمًا، وعندها سينعم الشعب الإيراني بالحرية والعدالة التي ينشدها .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ماكرون يؤكد دعم فرنسا لوحدة لبنان وسيادة أراضيه وسلام يطالب


.. ساعات حاسمة بين إيران وأميركا.. هل تنتهي الهدنة بتصعيد أكبر؟




.. مفاوضات إسلام آباد.. هل تقبل إيران المشاركة في الجولة الجديد


.. قراءة عسكرية: تهديدات إسرائيلية بتكرار سيناريو غزة في جنوب ل




.. أزمة الثقة تهدد جولة المفاوضات الجديدة بين أمريكا وإيران