الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاستحمار (2)

عبدالله عطوي الطوالبة
كاتب وباحث

2026 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


يُميِّز علي شريعتي بين نوعين من المعرفة، تلك التي تورثها الفلسفة والعِلم، والمنبثقة من الوعي بالذات، أي المعرفة النفسية. يقول بهذا الخصوص: "المعرفة النفسية أو الدراية أو النباهة الموجودة لدى الفرد، هي فوق معرفة الفلسفة والعِلم والصنعة. الثانية معرفة، لكنها ليست نفسية تريني نفسي وذاتي والشيء الذي يلفت انتباهي إلى قَدْري وقيمتي. فقيمة كل انسان بقدر ايمانه بنفسه". من هنا ينطلق شريعتي، فيقول: "كم حقَّرونا (يقصد الدول الاستعمارية وأدواتها). انظروا إلى أنظمتنا التربوية والاجتماعية. حقرونا إلى حد أننا أصبحنا لا نؤمن بقابليات قدراتنا...نحن عاجزون عن الانتقاد، عن الاستفسار، وحتى عن الكلام. أصبحنا وملؤنا عدم الصلاحية، لا نجرؤ أن نتصور أننا قادرون على أي عمل صغير...إلى هذا الحد نحن غير مؤمنين بأنفسنا".
على هذا الأساس، يستحضر شريعتي فكرة في غاية الأهمية والخطورة معًا، مفادها الاستعباد والاسترقاق غير ممكنين من دون التحقير، أولًا. فالمُراد استرقاقه يُحَقَّر حتى تتلبسه الدونية، فيظن أنه من أسرة منحطة ومن طبقة دونية تافهة. والنتيجة، تقبل الذل عن قناعة والاستسلام للعبودية والاسترقاق عن رِضىً. هذه الفكرة، تأسيسية في عِلم الاجتماع السياسي، على صعيد الربط بين ثالوث الاستعمار والاستبداد والاستغلال وأداته الأفعل، الاستحمار. ويواصل شريعتي القول في السياق ذاته:"استحقروا لغتنا وأدبنا وفكرنا وماضينا وتاريخنا وأصلنا. كل شيء لنا استصغروه، إلى حد أننا أخذنا نحن نستهزيء بأنفسنا. أما هم، فقد فضَّلوا أنفسهم وأعزوها، ورفعوها حتى صدَّقنا أن جهودنا جميعها وآمالنا ومساعينا ليست إلا تقرُّبًا وامتثالًا ومماثلة وطاعة للافرنج كي نستطيع تقليدهم في الأزياء والأطوار والحركات والكلام والمناسبات. وبلغ بنا الأمر حتى أن المثقفين منا يفخرون أنهم نسوا لغتهم".
ولعل من أسوأ تبديات ذلك وتمظهراته نجدها في نفر من "المتأسرلين" بيننا، مع أن التاريخ لم يعرف ونرى أنه لن يعرف عدوًّا احترم المنسحقين أمامه من خصومه. وقد قرأنا لكاتب صهيوني اسمه شاي جولدبيرغ مدى احتقاره لهؤلاء، إذ يقول:"عندما تخون، أنت كعربي، أبناء شعبك بآراء عنصرية صهيونية، فنحن نحبك مباشرة..لكن حبًّا كحبنا للكلاب...".
يستدعي السياق القولة الشهيرة لابن خلدون: "المغلوب مولع بتقليد الغالب". أما علي شريعتي فيرى الحل بالعودة إلى "الوعي النفسي" و "الوعي الوجودي". عودة من شأنها أن تجعل المرء يشعر بنفسه كموجود انساني، يعرف نفسه ويأنس بها، فلا يتخلى عنها بأي ثمن. لا يمكن المساومة ولو على جزء من لحظات وجودي كإنسان، يقول علي شريعتي، إن عرفت من أنا. (يتبع).








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صراع الأجنحة في إيران.. هل يكسر الحرس الثوري مسار التفاوض مع


.. شبكات | حريق ضخم يبتلع قرية عائمة في ماليزيا.. لماذا يبنون م




.. شبكات | تصدير النفط العراقي عبر سوريا بدلا عن هرمز؟


.. نافذة من باكستان | مفاوضات إسلام آباد.. هل تنجح الدبلوماسية




.. تصريحات لبنانية تؤكد أن الدبلوماسية ليست استسلاما وسط تصعيد