الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تتكلم الحروب بلغة المساومة وتُخفي الخراب في ثوب السياسة

بوتان زيباري

2026 / 4 / 8
السياسة والعلاقات الدولية


في زمنٍ يتقلّب فيه المعنى كما تتقلّب الرياح فوق بحارٍ مضطربة، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة عبارةٍ واحدة، قد تُقال في لحظة انفعال فتُشعل قرونًا من الرماد. هكذا تتجلى السياسة حين تتحول إلى خطابٍ مشحون بالتهديد، لا بوصفه فعلًا محسوبًا، بل كاستعراضٍ للقوة في مسرحٍ تتداخل فيه الحقيقة مع الخداع. فالتصريحات التي تُطلق من أعلى هرم السلطة لا تُقرأ بما يُقال فيها فقط، بل بما تُخفيه من عجزٍ أو ارتباك، وكأن اللغة ذاتها أصبحت ساحة حرب.

في قلب هذا المشهد، تتكثف معادلة معقّدة، حيث لا يملك الفاعل الأقوى خيارًا مريحًا، ولا يبدو الطرف المقابل مستعدًا للتراجع. فكل تصعيد يفتح أبوابًا لا يمكن إغلاقها بسهولة، وكل تهدئة تحمل في طياتها اعترافًا ضمنيًا بفشل الرهان. إن التهديد بتدمير بنى مدنية أو تغيير أنظمة ليس مجرد خطاب، بل مقامرة بمصير منطقة بأكملها، حيث يمكن لشرارة واحدة أن تعيد تشكيل خرائط الاقتصاد والطاقة، بل وربما خرائط النفوذ العالمي.

أما الطرف الآخر، فلا يتحرك من موقع الضعف كما يُراد تصويره، بل من إدراك عميق لأوراقه. السيطرة على الممرات الحيوية ليست مجرد ورقة ضغط، بل هي رئةٌ اقتصادية وسياسية تمنحه قدرة على إعادة تعريف قواعد اللعبة. فحين تتحول الجغرافيا إلى أداة سيادة، يصبح التراجع أشبه بانتحارٍ استراتيجي. لذلك، لا يبدو أن هناك استعدادًا للتخلي عن هذا الامتياز، خاصة مع العوائد المالية والسياسية التي تتدفق من هذا الواقع.

وفي الداخل، تتغير موازين القوى بطريقة أكثر جذرية. فحين يغيب الصوت الذي كان يقيّد الخيارات القصوى، تنفتح الأبواب أمام مقاربات أكثر راديكالية، تقودها مؤسسات ترى في الصمود ذاته انتصارًا. وهنا، لا يعود الهدف مجرد النجاة، بل تحويل البقاء إلى مكسب تفاوضي، يُترجم لاحقًا إلى اتفاقٍ يضمن عدم تكرار الهجوم، لا مجرد هدنة مؤقتة تُخفي حربًا مؤجلة.

في المقابل، تتكشف حدود القوة لدى الطرف الآخر، الذي يجد نفسه بين خيارين كلاهما مُكلف. فالتصعيد قد يشعل المنطقة اقتصاديًا، ويضر بمصالحه قبل خصومه، بينما التراجع يُظهره بمظهر العاجز. لذلك، تصبح المفاوضات مسرحًا للتهديد أكثر منها مساحة للحلول، حيث تُستخدم اللغة كأداة ضغط، ويُعاد إنتاج الأزمات كوسيلة لتحقيق مكاسب.

على المستوى الدولي، تقف قوى أخرى تراقب وتستفيد. روسيا، التي أنهكتها جبهات أخرى، تجد في ارتفاع أسعار الطاقة متنفسًا اقتصاديًا يعوّض خسائرها. والصين، التي تنظر إلى العالم بعين التاجر والفيلسوف معًا، ترى في انشغال الولايات المتحدة فرصةً لإعادة ترتيب موازين القوة، واختبار قدرات خصمها دون أن تطلق رصاصة واحدة. هكذا، تتحول الحرب إلى مسرحٍ متعدد الطبقات، حيث لا يكون الرابح من يطلق النار، بل من يحسن قراءة اللحظة.

وفي خلفية هذا المشهد، يتصاعد سؤال أخلاقي لا يقل خطورة عن الصواريخ ذاتها. ماذا لو صدرت أوامر تتجاوز حدود القانون؟ هل تملك المؤسسات القدرة على قول لا؟ أم أن منطق الطاعة سيطغى على منطق الضمير؟ إن التاريخ مليء بشواهد أولئك الذين احتموا بالأوامر لتبرير الجرائم، لكنه أيضًا يحتفظ بأسماء من اختاروا الانسحاب على المشاركة في الخطأ.

وهكذا، لا يبدو الصراع مجرد مواجهة عسكرية أو سياسية، بل اختبارًا عميقًا لحدود القوة، ولمعنى المسؤولية، ولمدى قدرة الإنسان على مقاومة إغراء السيطرة حين تتحول إلى تهديدٍ للوجود ذاته. وفي هذا الاختبار، قد لا يكون المنتصر من يفرض شروطه، بل من ينجو بإنسانيته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرس الثوري: واشنطن انتهكت الهدنة باستهداف سفينة تجارية إير


.. انقسام هرم السلطة.. صراع الإصلاحيين والمتشددين يربك إيران




.. تفاعلكم | نهاية صادمة لقضية مذبحة كرموز ومحامي الجاني يفجر م


.. نقاش الساعة | مفاوضات إسلام آباد.. تصريحات متضاربة ورفع السق




.. كيف تحاول إيران الالتفاف على الحصار البحري الأمريكي؟