الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ما بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية
صالح بوزان
2026 / 4 / 8مواضيع وابحاث سياسية
لم تخرج أي جهة من هذه الحرب منتصرة بالمعنى الكامل، لكن الواضح أن صورة القوة قد تصدّعت، وأن الهالة التي أحاطت بأمريكا وإسرائيل طوال السنوات الماضية تلقّت ضربة معنوية لا يمكن إنكارها. فالحكومة الإيرانية، على الرغم من كل ما يمكن قوله عنها سياسياً وأيديولوجياً، لم تنهَر ولم تستسلم ولم تُسقطها الضربات كما كان يُراد أو يُتخيّل. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لتسجيل فشل معنوي كبير في سجلّ ترامب ونتنياهو، لأن من يدخل الحرب بخطاب الغطرسة ثم يعجز عن فرض إرادته كاملة، يخرج منها أقلّ هيبة وأكثر انكشافاً.
لقد أراد الطرفان الأمريكي والإسرائيلي تأكيد صورة الردع المطلق، وإعادة إنتاج مشهد السيطرة الكاملة، لكن الحرب أظهرت أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تكفي دائماً لصناعة النصر السياسي. فالاستعلاء شيء، وحقائق الميدان شيء آخر. وحين تصطدم النزعة الإمبراطورية بحدودها الواقعية، تتكشّف هشاشتها، ويغدو ادعاء التفوق أشبه بقناع يسقط عند أول امتحان جدي.
اقتصادياً، دفعت الأطراف الثلاثة ثمناً باهظاً. أمريكا خسرت من رصيد هيبتها ما لا يُقاس فقط بالأرقام، وإسرائيل تلقت ضربة جديدة لصورة الدولة التي لا تُمس، وإيران خرجت مثقلة بالكلفة والإنهاك. لذلك لا يمكن الحديث عن رابح صريح، بل عن خاسرين بدرجات متفاوتة. غير أن الخسارة ليست متساوية في معناها السياسي. فثمة أنظمة تخسر المال ويمكنها تعويضه، لكنها حين تخسر الصورة التي بنت عليها مشروع قوتها، فإنها تتلقى ضربة أعمق وأبعد أثراً.
وبالرغم من موقفي المعارض للنظام الإيراني الديني والمذهبي، فإن هذا لا يمنعني من القول إن ما جرى مثّل إهانة سياسية ومعنوية لترامب ونتنياهو. وليس في ذلك تناقض. فمعارضة الاستبداد الإيراني لا تعني الاصطفاف مع الغطرسة الأمريكية والإسرائيلية، كما أن رفض مشروع طهران لا يستدعي تبرئة خصومها من نزعتهم العدوانية. إن من أكبر أخطاء القراءة السياسية في منطقتنا أن الناس يُدفَعون دائماً إلى الاختيار بين استبدادين، أو بين مشروعين كلاهما قائم على الهيمنة. والحال أن كليهما يستحق النقد، وكليهما مسؤول عن توسيع الخراب.
ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها. إيران لن تستطيع أن تتصرف في الداخل والخارج بالمنطق نفسه، لأن الحرب كشفت حدود قدرتها وكشفت معها هشاشة كثير من شعاراتها. وأمريكا لن يكون من السهل عليها الاستمرار في لغة التنمر ذاتها، لأن العالم يرى اليوم، بوضوح أكبر، أن القوة الأمريكية لم تعد قادرة على حسم كل شيء بالإملاء والتهديد. أما إسرائيل، فقد وجدت نفسها مرة أخرى أمام سؤال قاسٍ يتعلق بحجم قوتها الحقيقية، لا المتخيّلة. لقد اعتادت أن تُقدَّم بوصفها القوة التي لا تُقهَر، لكن الحروب المتراكمة تثبت أن التفوق العسكري لا يلغي القلق، ولا يمنح أمناً مطلقاً، ولا يصنع حصانة أبدية.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برز الكرد بوصفهم الطرف الأكثر ربحاً من الناحية المعنوية والسياسية الهادئة. لا لأنهم حققوا مكسباً عسكرياً مباشراً، بل لأنهم، هذه المرة، بدوا أكثر تعقلاً وأقل اندفاعاً إلى لعب أدوار لا تخدم قضيتهم. لقد أعلنوا، عملياً أو ضمناً، أنهم لن يدخلوا في حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وأنهم لم يعودوا مستعدين لدفع أثمان مشاريع الآخرين. وهذه نقطة تحوّل بالغة الأهمية في الوعي السياسي الكردي.
ولعلّ أهم ما تكشفه هذه اللحظة هو أن جزءاً مؤثراً من النخب السياسية والفكرية الكردية بدأ يتعلّم فعلاً من التاريخ، لا أن يردده كشعار فقط. لقد كان تاريخ الكرد الحديث مثقلاً بالوعود المكسورة، والتحالفات المؤقتة، والاستعمال الخارجي ثم التخلي. وكانت تجربة روجافا، بما حملته من خذلان أمريكي واضح، من أكثر التجارب إيلاماً وكشفاً لطبيعة المصالح الدولية. لذلك يبدو مفهوماً أن يتقدم اليوم خطاب كردي أكثر حذراً، وأكثر ميلاً إلى الحساب السياسي الواقعي، وأقل افتتاناً بالأوهام الدولية.
ومن هنا تتضح مسألة بالغة الأهمية، وهي أن الكرد أخذوا يميّزون، بوضوح أكبر، بين شعوب المنطقة وحكوماتها. وهذا تطور سياسي ناضج، لأن الحكومات غالباً ما تُدار بعقل أمني مغلق وبحسابات سلطوية ضيقة، بينما تظل الشعوب، رغم كل شيء، المجال الأوسع لإمكانات التفاهم، والاعتراف المتبادل، وبناء مستقبل مشترك. إن هذه النقلة في التفكير، إذا ترسخت، قد تمنح الحركة الكردية مكانة أكثر رسوخاً وأوسع شرعية في المنطقة.
وفي هذا السياق، يمكن ملاحظة أن خطاب عدد من القيادات الكردية، من عبد الله أوجلان إلى قادة قنديل، ومن قيادات كردستان العراق إلى كردستان إيران وروجافا، بات أكثر ميلاً إلى الواقعية وأبعد عن الشعبوية الشعاراتية. وهذا لا يعني غياب التناقضات أو انتهاء الأخطاء، لكنه يشير إلى نضج سياسي متزايد، وإلى إدراك أعمق لتعقيدات الإقليم والعالم. فالقضية الكردية لم تعد تحتمل مزيداً من الرهانات العاطفية أو القفز فوق موازين القوى، بل تحتاج إلى عقل بارد، ونفس طويل، وقدرة على بناء العلاقات مع شعوب المنطقة على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.
أما على المستوى الدولي، فهذه الحرب قد تفتح باباً لمزيد من الواقعية في العلاقات بين الدول. لقد سقط جانب من وهم القوة المطلقة، وظهر أن التهديد المستمر لا يكفي لبناء نظام مستقر. وعلى المستوى الإقليمي، ستجد شعوب المنطقة نفسها أمام أسئلة صعبة عن جدوى هذه الصراعات التي لا تنتهي، وعن الثمن الذي دُفع ويدفع دائماً لمصلحة أنظمة تتغذى على الخوف والعداء والتعبئة الدائمة.
إن أكثر ما تحتاجه المنطقة اليوم ليس خطاب النصر الفارغ، بل الاعتراف بأن الجميع خسر، وأن لغة القوة العارية لا تصنع مستقبلاً. وإذا كان الكرد قد خرجوا من هذه الحرب بأفضلية ما، فإنها تكمن في أنهم بدوا، هذه المرة، أكثر واقعية من غيرهم، وأكثر استعداداً لفهم العالم كما هو، لا كما يُراد له أن يكون في الخطب والشعارات.
خاتمة:
في النهاية، لم تحسم هذه الحرب من هو الأقوى فقط، بل كشفت أيضاً من هو الأكثر توهماً. وبين أوهام القوة الأمريكية والإسرائيلية، وأوهام الخطاب الإيراني، برزت الواقعية الكردية بوصفها الدرس الأهم. وفي منطقة أنهكتها الشعارات الكبرى والخسائر الكبرى، قد تكون الواقعية السياسية نفسها شكلاً من أشكال الانتصار.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. دبلوماسي باكستاني سابق للجزيرة: الصين لاعب رئيسي في معادلة ا
.. تحركات دبلوماسية مكثفة في إسلام آباد لإنجاح مفاوضات واشنطن و
.. ملف اليورانيوم الإيراني يعرقل مفاوضات واشنطن وطهران
.. الرئيس الأمريكي يأمل باتفاق مع إيران ويحذرها من عواقب رفض ال
.. الديوان الأميري القطري: أمير قطر أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس