الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
إيران وخطاب اللحظات الأخيرة : بين الانتحار والاستسلام
أحمد الزكروطي
2026 / 4 / 8مواضيع وابحاث سياسية
ايران وخطاب اللحظات الاخيرة : بين الانتحار و الاستسلام
...............................................................
نتيجة لتوالي التجارب على مدى قرن من الزمان , على أقل تقدير، التي مرت بها الشعوب والأمم ، سواء كانت حروبًا عالمية أم إقليمية ، تبلورت فكرة لدى كل المعنين في ( الخطاب التاريخي ـ السياسي ) , تكاد أن تكون شبه قاعدة ، حول ظاهرة تشابه خطاب اللحظات الأخيرة ، التي تسبق الانتحار أو الاستسلام، من حيث اللغة , والبنية , و الدلالات النفسية والسياسية .
أن خطاب اللحظات الحرجة ، التي تسبق حالة الحسم بين خيار الاستسلام أو الانتحار السياسي والعسكري , لم يكن مجرد وسيلة بلاغية للتواصل ، بل هو أداة لإدارة الوعي الجمعي ، ومحاولة لإعادة تعريف كثير من المفاهيم والصطلحات المتعلة بالصراع , وفي مقدمتها مفهومي (الهزيمة , و الانتصار ) , وخاصة مفهوم ( الهزيمة ) , قبل أن تُدركها الجماهير بوصفها الواقعي والحرفي , لما له من وقع صادم في نفسيتها و ذهنيتها . لذلك تميل الأنظمة ، وخاصة ذات الطابع الأيديولوجي والشمولي ، إلى صياغة خطاب التوائي تحايلي مزدوج , يعترف ضمنيًا بالهزيمة والانكسار، لكنه يرفض تسميته بما هو واقعيا ، لذلك يعيد تقديمه كخيار أخلاقي أو ضرورة تاريخية لابد منها .
لقد أظهرت التجارب التاريخية الكبرى , أن الفرق بين (الاستسلام المنظّم ) و(الانهيار الكامل ) لا يُحسم في ميدان المعركة فقط ، بل ايضا في اللغة التي تُستخدم في اللحظات الأخيرة . فعندما يُعاد تعريف الهزيمة و تأطيرها على انها تضحية نبيلة لحماية الأمة من الدمار و الانقراض السياسي والتاريخي ، يصبح الانتقال إلى مرحلة ما بعد الصراع أكثر هدوء و سلاسة ، حتى وإن كان ذلك على حساب ترحيل مواجهة الحقيقة المرة . أما حين يغيب هذا الإطار، فإن الصدمة ستكون كما هي عليه عارية ، و قاسية ، وتفتح الباب على مصراعيه أمام فوضى نفسية وسياسية و اجتماعية عميقة . لذلك ففي هذا السياق ، يمكن قراءة أي خطاب يصدر في خضم الاحتضار السياسي والعسكري , على انه نصًا متخما بالرمزيات و الإشارات أكثر من التصريحات . فالتعبيرات الشائكة و الملتبسة ، واللجوء إلى اللغة الرمزية المقعرة ، والتركيز على (المظلومية) أو (الظروف الاستثنائية) ، كلها ليست مجرد أساليب بلاغية ، بل أدوات دفاعية تهدف إلى حماية ما تبقى من شرعية النظام وحفاظا لماء الوجه , يسوق داخليا على انه تراجع نبيل وحكيم يحفظ الامة من الضياع التاريخي والحضاري .
عند المقاربة بين هذه القاعدة وما يحصل لايران اليوم ، يبرز سؤال جوهري : كيف يمكن أن يكون شكل خطاب (اللحظة الأخيرة) من عمر النظام السياسي الايراني إذا ما وُضعت الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما , اما الاستسلام , او الهروب الى الامام , عبر تصعيد انتحاري ؟
و استنادًا إلى التجارب والأنماط التاريخية ، فأنه من المرجح سيتسم هذا الخطاب بعدة خصائص متكررة :
ـ الغموض المتعمّد ، الذي يتم من خلاله تجنّب أي تعبير صريح يدل على التراجع أو الفشل او الهزيمة ، حيث سيتم استبداله بمصطلحات مخاتلة لا تسمي الاشياء بمسمياتها, مثل ( المرونة ، إعادة التموضع ، حفظ مصالح الأمة العليا ) .
ـ سيعمد الخطاب الايراني الى اعادة تعريف الصراع ، بحيث لا يُقدَّم القرار على انه نتيجة ضغط خارجي، بل كخيار استراتيجي متأتي عن قراءة معمقة لموازين القوى ، بما يحفظ صورة الفاعل لا صورة المفعول
ـ سيكون للبعد العقائدي حضوره البارز ، من خلال توظيفه و ربط القرار السياسي والعسكري بسردياته التقليدية , مثل الصبر، والابتلاء ، والانتصار المؤجل، والفوز الاخروي , وهو ما يسمح بتحويل التراجع المرحلي إلى جزء من مسار وجودي شامل, لا يتوقف او يُقاس بنتائج آنية .
ـ سيلجأ الخطاب الايراني الى التركيز على مفهوم (إنقاذ الأمة)، حيث سيُصاغ أي تنازل صياغة نفسية , ويُقدم على أنه ضرورة تاريخية لحماية الامة الايرانية من الدمار الشامل ، وبذلك يتحول القرار من كونه سياسيًا إلى كونه أخلاقيًا .
ـ ان كل ما تقدم سيُضخ عبر لغة عالية ومركّبة و مقعرة ، يتم من خلالها مخاطبة النخب أكثر مما يُخاطب بها عامة الشعب، بما يتيح تمرير المعاني الحساسة دون إثارة ردود فعل فورية أو مباشرة
غير أن الفارق الحاسم لا يكمن فقط في صياغة الخطاب، بل في ما إذا كان هذا الخطاب سيفتح الباب أمام مراجعة حقيقية، أم انه سيكتفي بإعادة إنتاج الأزمة في صيغة مؤجلة , أي بمعنى , سيبقى المشروع الايراني التوسعي في المنطقة قائم , كجزء لا يتجزأ من عقيدة متجذرة , يظهر الى السطح مع كل لحظة تاريخية تتوفر فيها الظروف المواتية لإحيائه والشروع به من جديد . فالتاريخ يُظهر أن الخطاب القادر على امتصاص الصدمة سريعًا، ليس بالضرورة هو القادر على بناء وعي نقدي طويل الأمد .
من هنا، فإن مراقبة ملامح الخطاب الايراني المتوقع خلال اللحظات المفصلية المتبقية امام قرار الحسم , بين خيار الاستسلام أو الانتحار, لن تكون مجرد متابعة سياسية وحسب ، بل قراءة دقيقة و حساسة في كيفية إدارة دولة معقّدة لهزيمة مرجحة , هل ستذهب نحو خيار حكيم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، أم ستندفع نحو خطاب تصعيدي انتحاري ينتهي بانفجار شامل؟ في الحالتين، يبقى المؤكد أن خطاب اللحظات الأخيرة ليس نهاية المطاف ، بل بدايته الفعلية .
................................
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل يمهد الحصار البحري الأميركي على إيران لتصعيد عسكري شامل؟
.. حزب الله يعلن قصف عدة مواقع شمالي إسرائيل بالصواريخ والمسيرا
.. عضو اللجنة الخارجية بمجلس النواب الأمريكي: ما لم تتخل إيران
.. تصعيد عسكري بحري.. تعرف على الإجراءات الأمريكية للسيطرة على
.. -الاتفاق أو الجحيم-.. إنذار ترمب الأخير لإيران يشعل -هرمز-