الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جديدة؟
وليد الأسطل
2026 / 4 / 8مواضيع وابحاث سياسية
يبدو أن العالم يسير في اتجاه مقلق، حيث تتراجع الديمقراطية خطوة بعد أخرى، بينما تزداد قوة النزعات السلطوية. لم يعد الأمر مجرد تحولات سياسية معزولة، وإنما أصبح نمطا عالميا يتجلى في صعود القوميات، وتآكل الحريات العامة، وتراجع قدرة المؤسسات على ضبط السلطة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل نحن أمام انعطافة تاريخية طويلة الأمد، أم مجرد مرحلة عابرة يمكن تجاوزها؟
في هذا السياق، يتجدد صدى تحذيرات حول طبيعة التحولات الديمقراطية عبر الزمن، إذ يشير بعض منظّري السياسة إلى أن مسارات التوسع الديمقراطي ليست خطية، وإنما قد تتعرض لارتدادات دورية. وهذا ما يفتح تساؤلا حادا: هل نعيش اليوم لحظة ارتداد تاريخية ثالثة تعيد تشكيل النظام العالمي؟ وقد تناول صامويل هنتنغتون هذه الفكرة في تحليله لما أسماه "موجات الديمقراطية".
في السنوات الأخيرة، تكاثرت المؤشرات التي توحي بأن الديمقراطية، وخاصة في صورتها الليبرالية، لم تعد في وضع مريح. صعود الحركات الشعبوية، توسّع التيارات المتطرفة، ووصولها إلى الحكم في عدة دول، كلها عوامل تعكس أزمة عميقة لا تقتصر على منطقة دون أخرى. حتى الدول التي كانت تُعتبر نماذج مستقرة لم تعد بمنأى عن هذا التحول.
ولا تتجلى هذه الأزمة فقط في تراجع الممارسات الديمقراطية، ولكن في تحوّل أعمق يمس جوهرها القيمي، حيث يمكن أن تستمر الانتخابات شكليا في العمل بينما تتآكل القيم الليبرالية التي تمنحها معناها. وهو ما يفتح الباب أمام أنظمة تُنتخب ديمقراطيا وتُحكم سلطويا، كما يحذر ياشا مونك في حديثه عن "أزمة الديمقراطية الليبرالية".
لا يقتصر الأمر الأكثر إثارة للقلق على تراجع عدد الأنظمة الديمقراطية، وإنما يشمل أيضا انكماش الفضاء الذي تعيش فيه الشعوب ضمن أنظمة تضمن حقوقها الأساسية. فبعد عقود من التوسع الديمقراطي الذي أعقب سبعينيات القرن الماضي، يبدو أن كثيرا من تلك المكاسب قد تآكلت تدريجيا، ولم يعد ما تحقق عبر موجات طويلة من التحول السياسي ثابتا كما كان يُعتقد.
ويُوصَف هذا الوضع أحيانا بحالة من "الركود الديمقراطي"، حيث تتباطأ عمليات التحول وتتزايد حالات التراجع، وهو توصيف يقدمه لاري دايموند، ويثير في الوقت نفسه تساؤلا عميقا حول قدرة هذا النموذج على الاستمرار دون إصلاح جذري. ولا يحدث هذا التراجع بصورة فجائية، وإنما يتسلل ببطء؛ فالديمقراطيات لا تنهار دائما بانقلابات واضحة، وإنما قد تُفرغ من مضمونها تدريجيا، مع الحفاظ على شكلها الخارجي من انتخابات ومؤسسات ودساتير، بينما تفقد جوهرها المتمثل في استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وتكافؤ الفرص السياسية. يكمن الخطر في أن هذا التدهور يصبح أقل وضوحا وأكثر قابلية للتطبيع.
وفي هذا الإطار، يبرز نمط من الانهيار يتم عبر الأدوات القانونية والمؤسساتية نفسها، حين تُستخدم القواعد لإضعاف المنافسين بدل حمايتهم، وهو ما أشار إليه ستيفن ليفيتسكي ودانيال زيبلات في تحليلهما للانحدار الديمقراطي المعاصر.
ما نشهده اليوم هو تحول عام نحو تقليص المجال الديمقراطي. تتعرض حرية التعبير لضغوط متزايدة، وتواجه وسائل الإعلام قيودا مباشرة أو غير مباشرة، وتُهمّش المعارضة السياسية أو تُضعف. حتى العمليات الانتخابية لم تعد دائما تعكس إرادة حرة ومتساوية، رغم أنها تُعد حجر الأساس في أي نظام ديمقراطي.
وهنا يتجدد سؤال مركزي في أدبيات علم السياسة: متى تتحول الانتخابات إلى آلية شكلية تُستخدم لإضفاء الشرعية بدل أن تكون أداة حقيقية للمساءلة والتغيير؟
الأخطر أن هذا الاتجاه لم يعد مقتصرا على دول ذات تاريخ سلطوي، وإنما بدأ يطال دولا كانت تُعتبر معاقل للديمقراطية. في هذه الحالات، لا يكون التراجع مجرد انتكاسة، وإنما يتحول إلى تحول نوعي، لأنه يكسر افتراضا طويل الأمد بأن بعض الأنظمة محصّنة بطبيعتها.
وقد نُبّه إلى أن قوة المؤسسات لا تعتمد فقط على بنيتها الرسمية، وإنما أيضا على معايير غير مكتوبة مثل الثقة والالتزام بالقواعد، وهو ما يؤكد عليه فرانسيس فوكوياما في تحليله لطبيعة المؤسسات.
وإذا كان هذا التحول واسع النطاق، فإنه غير متجانس أيضا. فهناك دول تعمق فيها الاستبداد بشكل واضح، وأخرى تشهد تراجعا تدريجيا بعد فترات من الانفتاح، وثالثة تحافظ على توازن هش بين الديمقراطية والتسلط. غير أن القاسم المشترك بينها يتمثل في هشاشة متزايدة في البنية الديمقراطية.
وفي هذا السياق، يطرح سؤال محوري حول أسباب صمود بعض الديمقراطيات مقابل انهيار أخرى رغم تشابه الظروف الظاهرية، وهو تساؤل تناوله خوان لينز في دراساته حول استقرار الأنظمة.
من زاوية أخرى، لا يمكن فهم هذه التحولات دون النظر إلى السياق الاجتماعي والاقتصادي. الشعور بعدم المساواة، فقدان الثقة في النخب، والخوف من التغيرات السريعة، كلها عوامل تغذي الرغبة في "القيادة القوية" على حساب المؤسسات. بهذا المعنى، لا يظهر التراجع الديمقراطي كفرض قسري فقط، وإنما يظهر أحيانا كخيار يجد صدى لدى قطاعات من المجتمع.
وقد أظهرت بعض التحليلات أن القلق الاجتماعي والاقتصادي يعيد تشكيل أولويات الأفراد، حيث تتقدم الحاجة إلى الاستقرار على حساب قيم المشاركة والحرية، وهو ما يوضحه دان آشمور في دراساته.
مع ذلك، لا تبدو الصورة قاتمة بالكامل. يوضح التاريخ السياسي أن مسارات التراجع ليست حتمية، فقد استطاعت أنظمة عديدة انزلقت نحو السلطوية أن تعكس هذا المسار في مراحل لاحقة، غير أن ذلك لا يحدث تلقائيا ويتطلب شروطا دقيقة. فبقاء الديمقراطية يعتمد على توازن دقيق بين المؤسسات والفاعلين، حيث تقبل القوى السياسية قواعد اللعبة حتى عند الخسارة، كما يشير آدم برزيفورسكي.
يتمثل أول هذه الشروط في وجود مؤسسات قادرة على مقاومة التآكل، حتى في أضعف حالاتها. فالقضاء المستقل، والبرلمانات الفاعلة، والأطر القانونية المتماسكة، يمكن أن تشكل خطوط دفاع حاسمة. وقد أظهرت دراسات علم السياسة المقارن أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بنصوصها القانونية، وإنما بقدرتها الفعلية على فرض القيود على السلطة التنفيذية.
ويتعلق الشرط الثاني بحيوية المجتمع نفسه. حين تكون هناك قوى مدنية نشطة، وإعلام مستقل، ومعارضة قادرة على التنسيق، يصبح من الممكن إعادة فتح المجال السياسي. كما تلعب الاحتجاجات السلمية دورا محوريا عندما تتسع وتستمر، إذ يتحول الفعل الجماعي المنظم إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل قواعد السلطة، وهو ما تؤكده أبحاث تشارلز تيلي.
أما العامل الثالث فيرتبط بالزمن، إذ تشير التجارب إلى أن فرص التصحيح تكون أكبر في المراحل المبكرة من التراجع، قبل أن تترسخ التحولات وتصبح أكثر صعوبة في التفكيك.
وهذا يقود إلى تساؤل مركزي: متى تتحول الانحرافات المؤقتة إلى مسارات دائمة يصعب عكسها؟
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، وإنما لحظة اختبار حقيقية لفكرة الديمقراطية ذاتها. فبينما تميل موازين القوى عالميا نحو نماذج أكثر سلطوية، يبقى السؤال مفتوحا: هل تستطيع المجتمعات إعادة ابتكار أدواتها الديمقراطية، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة العلاقة بين السلطة والحرية؟
يبقى السؤال الأعمق في قلب علم السياسة المعاصر: هل الديمقراطية نموذج نهائي للحكم، أم مرحلة تاريخية قابلة للتطور أو التراجع؟ لم تُحسم الإجابة بعد، لكنها ستتحدد في السنوات القليلة القادمة، ليس فقط عبر ما تفعله الحكومات، وإنما أيضا عبر ما تختاره الشعوب. وفي هذا الاختيار يتجسد جوهر العملية السياسية كما يراها علماء السياسة: تفاعل مستمر بين المؤسسات، والأفكار، وإرادة الفاعلين داخل المجتمع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. دبلوماسي باكستاني سابق للجزيرة: الصين لاعب رئيسي في معادلة ا
.. تحركات دبلوماسية مكثفة في إسلام آباد لإنجاح مفاوضات واشنطن و
.. ملف اليورانيوم الإيراني يعرقل مفاوضات واشنطن وطهران
.. الرئيس الأمريكي يأمل باتفاق مع إيران ويحذرها من عواقب رفض ال
.. الديوان الأميري القطري: أمير قطر أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس