الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين الإمبرياليات الصاعدة وأوهام “المعسكرات”: قراءة ماركسية نقدية للحرب مع إيران

سعد بن علال

2026 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


ليست الحرب الدائرة حول إيران حدثا معزولا، ولا انفجارا مفاجئا ناتجا عن “توترات” ظرفية كما تحب وسائل الإعلام أن تقدمها. إنها، في جوهرها، لحظة مكثفة من صراع عالمي على إعادة اقتسام النفوذ، حيث تتقاطع مصالح قوى إمبريالية تقليدية مع طموحات قوى صاعدة، فوق أرض مثقلة بتاريخ من الهيمنة والنهب والتبعية.
من منظور ماركسي نقدي، لا يمكن فهم ما يجري خارج منطق الرأسمالية العالمية في طور أزمتها البنيوية. فحين تضيق هوامش التراكم، وتشتد المنافسة على الأسواق ومصادر الطاقة وخطوط الإمداد، تتحول الجغرافيا إلى ساحة صراع مفتوح، وتستدعى الأيديولوجيات لتبرير ما هو في حقيقته صراع مادي صرف.
1. إيران: بين موقع الضحية ووظيفة الفاعل الإقليمي
تقدم إيران في كثير من الخطابات كضحية لعدوان إمبريالي، وهو توصيف لا يخلو من حقيقة، بالنظر إلى تاريخ الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية. لكن القراءة النقدية تفرض تجاوز هذا التبسيط.
إيران ليست مجرد دولة “مستهدفة”، بل هي أيضا قوة إقليمية تسعى لفرض نفوذها ضمن توازنات معقدة. نظامها السياسي، رغم خطابه المعادي للهيمنة الغربية، يشتغل داخل نفس منطق الدولة-الأمة البرجوازية: الدفاع عن مصالح طبقة حاكمة، توسيع مجالات النفوذ، وتوظيف الدين والقومية كأدوات تعبئة.
بمعنى آخر، نحن لسنا أمام “معسكر تحرري” في مواجهة “معسكر إمبريالي”، بل أمام تعارض بين مشاريع سلطة، تختلف في الشكل والخطاب، لكنها تتقاطع في الجوهر: السيطرة، التراكم، وإعادة إنتاج الهيمنة.
2. الإمبريالية اليوم: تعددية الأقطاب أم فوضى التنافس؟
التحليل الكلاسيكي للإمبريالية، كما صاغه لينين، ما يزال صالحا في خطوطه العريضة، لكنه يحتاج إلى تحيين. فالعالم اليوم لا تحكمه قوة واحدة بشكل مطلق، بل يعيش حالة من التعددية المتوترة، حيث تتنافس قوى كبرى (الولايات المتحدة، الصين، روسيا…) على إعادة رسم خريطة النفوذ.
في هذا السياق، تتحول إيران إلى نقطة ارتكاز في هذا الصراع: موقع استراتيجي، موارد طاقية، وشبكة علاقات إقليمية. لذلك، فالحرب حولها ليست فقط حربا “عليها”، بل حربا من خلالها، تدار بالوكالة أحيانا، وبالتهديد المباشر أحيانا أخرى.
3. الشعوب خارج المعادلة
في كل هذا الصخب الجيوسياسي، يغيب الفاعل الأساسي: الشعوب.
يطلب من الجماهير أن تختار بين “العدوان الخارجي” و”السيادة الوطنية”، بينما تحرم من طرح السؤال الجوهري: سيادة من؟ ولصالح من؟.
في إيران، كما في باقي المنطقة، تدفع الطبقات الشعبية ثمن الحصار والحرب: تضخم، بطالة، قمع سياسي. وفي المقابل، تستثمر النخب الحاكمة حالة التهديد لتشديد قبضتها الداخلية، باسم “الوحدة الوطنية”.
هنا تكمن المفارقة التي يفضحها التحليل الماركسي:
الحرب التي تُقدم كدفاع عن الشعب، تتحول إلى أداة لإخضاعه.
4. ضد منطق الاصطفاف: نحو موقف مستقل
الخطأ القاتل الذي تقع فيه أجزاء من اليسار هو الانجرار وراء منطق “المعسكرات”: إما مع هذا الطرف أو ذاك.
لكن الماركسية، في جوهرها، هي فكر الاستقلال الطبقي، لا فكر الاصطفاف الجيوسياسي.
الموقف النقدي يقتضي: رفض أي عدوان إمبريالي أو تدخل خارجي وفي الوقت نفسه، رفض تبرير سياسات الأنظمة المحلية القمعية، الدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، خارج وصاية الداخل والخارج معا.
بمعنى آخر: لا دعم للإمبريالية، ولا أوهام في “بدائل” سلطوية تلبس لبوس المقاومة.
5. أفق بديل: من الحرب إلى التحرر
إن الخروج من هذا المأزق لا يمكن أن يتم داخل نفس قواعد اللعبة.
الحل ليس في “توازن الرعب” بين الدول، بل في تفكيك الشروط التي تنتج الحرب نفسها: الرأسمالية، التبعية، والاستبداد.
هذا الأفق قد يبدو بعيدا، لكنه يبدأ من إعادة بناء وعي نقدي، يرفض الاختزال، ويعيد ربط المحلي بالعالمي، والسياسي بالاجتماعي.
في النهاية، ليست الحرب حول إيران سوى مرآة مكبرة لعالم مأزوم، حيث تتصارع القوى على أنقاض شعوب منهكة.
والمطلوب اليوم ليس اختيار موقع داخل هذا الصراع، بل تفكيكه من جذوره، وفتح أفق يتجاوز منطق الحرب ذاته.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دبلوماسي باكستاني سابق للجزيرة: الصين لاعب رئيسي في معادلة ا


.. تحركات دبلوماسية مكثفة في إسلام آباد لإنجاح مفاوضات واشنطن و




.. ملف اليورانيوم الإيراني يعرقل مفاوضات واشنطن وطهران


.. الرئيس الأمريكي يأمل باتفاق مع إيران ويحذرها من عواقب رفض ال




.. الديوان الأميري القطري: أمير قطر أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس