الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الثقافة السليكونية ووهم المعرفة

حسين علي محمود

2026 / 4 / 8
قضايا ثقافية


لم تعد المشكلة في "الثقافة السليكونية" أنها مجرد ظاهرة سطحية، بل في أنها تحولت إلى معيار جذب وإبهار حيث تسيل له لعاب فئة لا يستهان بها من الذين يقدّمون أنفسهم بوصفهم مثقفين.
هؤلاء لا يكتفون بتبني هذا النموذج، بل ينجذبون إليه بشغف كأنهم وجدوا فيه اختصاراً مغرياً للطريق الطويل الذي تتطلبه الثقافة الحقيقية.
إنها علاقة تبادلية حيث جسد محقن بالفلر والسليكون وخطاب محقن بالمصطلحات الرنانة فكلاهما يقدم وهم الامتلاء وكلاهما يخفي فراغاً عميقاً.
حين نقول إن لعاب بعض المستثقفين يسيل أمام هذا النموذج، فنحن لا نبالغ وهؤلاء يرون في الثقافة السليكونية فرصة ذهبية يمكنهم الظهور والتفاخر والادعاء دون عناء القراءة أو مشقة التفكير.
ينجذبون إلى الصورة قبل الفكرة، إلى الشكل قبل المضمون، إلى اللمعان قبل العمق الفكري ويصفقون لكل ما هو لافت ويمنحون الشرعية لكل ما يبدو حديثاً وجريئاً حتى لو كان فارغاً من أي قيمة معرفية فما يغريهم ليس المعرفة، بل إمكانية تقليدها لا الحقيقة بل مظهرها.
ومن المثير للسخرية أن كثيراً من هؤلاء المستثقفين والمستثقفات يشتركون في ملامح متشابهة ليس فقط جسدياً حيث الخدود المنتفخة والشفاه المبالغ في حجمها، بل لغوياً أيضاً حيث الجمل المنتفخة والمصطلحات المتورمة والأفكار التي بلا عظام.
كما أن الفلر يعطي حجماُ دون بنية، فإن خطابهم يعطي ضجيجاً دون معنى وكل شيء يبدو أكبر مما هو عليه مثل الكلمات الادعاءات وحتى الثقة بالنفس لكن عند أول تفكيك علمي يتضح أن هذا الانتفاخ لا يستند إلى أي صلابة معرفية.
أكثر ما يفضح هذا النموذج هو اللغة نفسها حيث نصوص تعج بأخطاء إملائية فادحة وتركيب مهلهل وجمل تفتقر إلى أبسط قواعد اللغة العربية.
هنا لا يعود الزيف قادراً على الاختباء طويلاً لأن اللغة تفضح صاحبها مهما حاول التجمل، كيف لمن لا يفرق بين همزة الوصل والقطع أن يتحدث بثقة عن تفكيك الخطاب؟! وكيف لمن يعجز عن صياغة جملة سليمة أن يدعي الغوص في الفلسفة أو النقد؟!
ليست المسألة تعالياً لغوياُ، بل مسألة منطق بسيط من لا يمتلك الأداة لا يمكنه ادعاء إتقان الصنعة.
في هذا السياق تتحول الثقافة إلى ما يشبه عرض أزياء مفتوح، استعراض متواصل للصور والكلمات والمواقف.
كل شيء قابل للتزيين والتضخيم والتسويق ولم يعد السؤال ماذا تقول؟! بل كيف تبدو وأنت تقول؟! وهنا تحديداً يزدهر المستثقف، لأنه بارع في الظهور لا في الإنتاج إذ يجيد صناعة الانطباع أكثر من صناعة الفكرة ويستثمر في الشكل أكثر مما يستثمر في المعنى، إنه يتقن الإيحاء بالعمق دون أن يغامر فعلياً بالنزول إليه والخطير في هذه الظاهرة ليس وجودها فحسب، بل التواطؤ الذي يحيط بها.
هناك من يدرك هشاشتها لكنه يصفق لها إما بدافع المجاملة أو بدافع المصلحة وهناك من يراها بوضوح لكنه يفضل الصمت فيتحول الصمت إلى شكل من أشكال القبول وهكذا تتكرس الرداءة بوصفها أمراً عادياً ويصبح الزيف مألوفاً، بل وربما مرغوباً.
الثقافة السليكونية في جوهرها ليست مجرد سلوك فردي، بل نمط عام يعكس أزمة أعمق في المعنى والمعايير الثقافية، إنها لحظة يستبدل فيها العمق بالانتفاخ والفهم بالادعاء واللغة بالزخرفة الفارغة.
وفي مثل هذه اللحظة لا نكون أمام مثقفين حقيقيين، بل أمام نسخ مكررة من الوهم تتشابه في ملامحها كما تتشابه في فراغها.
فليس كل من نفخ خديه بدا ممتلئاً ولا كل من نفخ عباراته صار مثقفاُ، بعض الامتلاء .. مجرد هواء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. المؤتمر الصحفي المشترك لرئيسي وزراء المغرب وفرنسا في الرباط


.. قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع فيدوروف يشعل موجة غضب في ال




.. ألمانيا.. ما الذي يدفع الشباب إلى الالتحاق بالجيش؟


.. واشنطن تستهدف قدرات الرصد الإيرانية وسط مؤشرات وساطة للتهدئة




.. وزارة النفط العراقية تحقق في سقوط جسم غريب بمياهها الإقليمية