الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


2. من ديسمبر إلى أبريل وبالعكس: لماذا تقدمنا إلى 2019؟

عماد حسب الرسول الطيب
(Imad H. El Tayeb)

2026 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


تتساءل ديسمبر اليوم: لماذا تتحول القوة الاجتماعية إلى قدرة على شل النظام لا إلى قدرة على الحكم؟ هذا السؤال سبق أن طرحه السودانيون قبل ثلاثة وثلاثين عاماً، بنفس الحدة، وبنفس العجز، وبنفس النتيجة. لأن ديسمبر لم تكن بداية السؤال، بل كانت تكراره.

الأسئلة التي طرحها المقال التمهيدي ليست أسئلة ديسمبر وحدها. إنها الأسئلة نفسها التي طرحتها أبريل 1985، في سياق مختلف بالطبع، لكن تحت سقف البنية نفسها. هناك، كما هنا، توقفت القطارات عن الحركة. هناك، كما هنا، أضرب عمال النسيج والكهرباء والسكة الحديد. هناك، كما هنا، نزل الأطباء والمحامون والمدرسون إلى الشارع. هناك، كما هنا، أعلن الجيش انحيازه للجماهير في اللحظة الحاسمة، والتقط السلطة بدلاً منهم. هناك، كما هنا، وجدت الجماهير التي صنعت الانتفاضة نفسها خارج غرفة القرار، تتابع على شاشات التلفزيون كيف يُعاد ترتيب البيت الذي أحرقته.

هذا التكرار ليس مصادفة تاريخية، وليس مجرد سوء حظ يلاحق الحركة الثورية السودانية. إنه بنية. بنية أعادت إنتاج نفسها مراراً لأن الفصل بين القوة الاجتماعية والسلطة السياسية لم يُكسر في المرة الأولى. ولهذا، لفهم لماذا تظهر القوة أسرع مما تُبنى السلطة في ديسمبر 2018، يجب أن نفهم كيف تشكلت هذه المعادلة أول مرة في أبريل 1985. لأن البنية التي أنتجت أزمة 1985 لم تُحسم، بل أُعيد إنتاجها تحت مسميات مختلفة: مرة تحت راية "الانتقال الديمقراطي"، ومرة تحت راية "الإنقاذ الإسلامي"، ومرة تحت راية "الثورة الثالثة". كل مرة، تخرج الجماهير، وكل مرة، يعاد اختراقها.

الرأسمالية الطفيلية لم تنشأ مع البشير. ورثها البشير عن نميري، الذي ورثها بدوره عن نظام عبود الذي سبقه. وحين سقط نميري في أبريل 1985 دون أن تُمس هذه البنية، لم يكن ذلك إخفاقاً عرضياً يمكن ترميمه بانتخابات نزيهة أو بدستور أفضل. بل كان الدرس الأكثر أهمية الذي لم تتعلمه الحركة الثورية السودانية قبل ديسمبر. لأن ما سقط في أبريل كان رجلاً، وليس نظاماً. وما بقي كان علاقات الإنتاج نفسها، وتبعية الاقتصاد نفسها، وهشاشة الدولة نفسها. وهذا البقاء هو ما أنتج، بعد أربع سنوات فقط، انقلاب 1989 وصعود الإسلاميين إلى السلطة. لم تأت الإنقاذ من فراغ؛ جاءت لتملأ الفراغ الذي تركته انتفاضة لم تستطع تحويل قوتها إلى سلطة.

هذه السلسلة إذن ليست تأريخاً لانتفاضة 1985، ولا هي استعادة حنين لأمجاد مضت. هي تشريح لسؤال لا يزال حياً يضرب في صدر كل محاولة تغيير في السودان: لماذا تنتج الأزمة البنيوية قوة اجتماعية تكفي لإسقاط الديكتاتور، لكنها لا تكفي لبناء سلطة جديدة؟ والإجابة على هذا السؤال لا توجد في ديسمبر وحده، لأن ديسمبر لم يختبر بعد – أو لم يختبر بالكامل – ما حدث بعد أبريل. لكننا نعرف ما حدث بعد أبريل: الانتقال العسكري، الانتخابات البرلمانية الهشة، عودة المدنيين إلى الحكم دون أن يعود إليهم القرار، ثم الانقلاب الذي محى كل شيء. هذه الدورة الكاملة، التي استغرقت أربع سنوات فقط، هي المختبر الحقيقي لفهم لماذا تفشل الانتفاضات في الأطراف الرأسمالية في تحويل نفسها إلى ثورات ناجزة.

ما الذي يجعل 1985 مختبراً أفضل من 2019 لفهم هذه المعضلة؟ ثلاثة عناصر جوهرية، لا يمكن تجاوزها.

أولاً: المسافة الزمنية الكاملة. نحن اليوم نستطيع أن نرى ما آلت إليه انتفاضة أبريل 1985 من بدايتها إلى نهايتها، من الإضراب الأول إلى المجلس العسكري، من الانتخابات إلى الانقلاب، من الديمقراطية القصيرة إلى عقود من من حكم الإنقاذ. هذه الدورة المكتملة تكشف ما لا تستطيع لحظة ديسمبر أن تكشفه بعد: كيف يتحول الفراغ الثوري تدريجياً إلى هيمنة جديدة، وكيف تُعاد إنتاج البنية القديمة تحت قناع التغيير، وكيف يصبح "الانتقال" اسماً لاستمرار الأزمة لا لحلها. ديسمبر لا يزال مفتوحاً على احتمالاته؛ أما أبريل فقد انتهى وأعطى حكمه.

ثانياً: الوضوح الطبقي للقوى الاجتماعية. كانت الحركة النقابية في 1985 أكثر تنظيماً وأوضح هوية طبقية مما صارت عليه في 2019. ففي 1985، كانت البروليتاريا الصناعية لا تزال تشكل فاعلاً مركزياً: عمال السكة الحديد، عمال النسيج، عمال الكهرباء، عمال الموانئ. كانوا يملكون وعياً بموقعهم الاستراتيجي، وكانوا يملكون أدوات تنظيمية (نقابات قوية، حزب شيوعي في ذروة حضوره) تترجم هذا الوعي إلى فعل. في 2019، بعد عقود من سياسات صندوق النقد التي فككت القطاع العام وشردت العمال وأضعفت النقابات، أصبحت الصورة أكثر ضبابية. تحليل مواقع القوى الاجتماعية في 1985 هو إذن تحليل لحالة "نقية" نسبياً، حيث يمكن قراءة التناقضات الطبقية بوضوح قبل أن تتداخل وتتشابك.

ثالثاً: الدرس التنظيمي التأسيسي. الحزب الشيوعي السوداني كان في ذروة حضوره التنظيمي في 1985. كان يمتلك شبكة نقابية واسعة، وقيادات ميدانية، وخطاباً سياسياً واضحاً، وتاريخاً نضالياً طويلاً. ومع ذلك، فشل في ترجمة كل هذا الحضور إلى سلطة. هذا الفشل ليس مجرد نكسة تاريخية؛ إنه الدرس النظري الأهم لكل نقاش حول الحزب الثوري في السودان والعالم العربي. لماذا فشل الحزب الأكثر تنظيماً في اللحظة الأكثر ملاءمة؟ هل بسبب القمع؟ لا، القمع كان موجوداً دائماً. هل بسبب الخيانة؟ لا، القيادة لم تتفق مع نميري سراً. بل بسبب غياب نظرية السلطة المزدوجة، وغياب البرنامج الانتقالي الذي يربط إسقاط الديكتاتور باقتلاع علاقات الإنتاج، وغياب الجرأة على تحويل النقابات إلى هيئات حكم. هذا الدرس، لو فُهم جيداً، لكان غيّر مسار ديسمبر 2018.

المقال التالي يبدأ من السؤال المحوري الذي لم تستطع الانتفاضتان الإجابة عليه: من كان في الشارع؟ ليس بمعنى من احتج، بل بمعنى من كان يملك القوة الاجتماعية الفعلية – القدرة على شل النظام وقطع شرايينه – ومن كان يملك فقط الحضور والتضحية بالجسد. لأن الفصل بين الاثنين هو ما يفسر كيف انتهت انتفاضة 1985 حيث انتهت، وكيف بدأت انتفاضة 2019 حيث بدأت، وكيف ستنتهي – ما لم يُكسر الفصل هذه المرة – حيث انتهت سابقتها. قبل أن ننتقل إلى تشريح الطبقات، يجب أن نكون واضحين: القضية ليست أخلاقية، ليست "خيانة" وليست "ضعف قيادة". القضية بنيوية: من كان يملك السلاح الاستراتيجي (تعطيل الإنتاج)، ومن كان يملك فقط السلاح التعبوي (الجسد في الشارع). التفاوت بين الاثنين هو التفاوت بين إسقاط ديكتاتور وبناء سلطة جديدة.

"كل ثورة تنتهي عند حدود وعيها بالسلطة، لا عند حدود شجاعتها في الشارع."

النضال مستمر،،








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صراع الأجنحة في إيران.. هل يكسر الحرس الثوري مسار التفاوض مع


.. شبكات | حريق ضخم يبتلع قرية عائمة في ماليزيا.. لماذا يبنون م




.. شبكات | تصدير النفط العراقي عبر سوريا بدلا عن هرمز؟


.. نافذة من باكستان | مفاوضات إسلام آباد.. هل تنجح الدبلوماسية




.. تصريحات لبنانية تؤكد أن الدبلوماسية ليست استسلاما وسط تصعيد