الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يهدد رئيس دولة بفناء حضارة، وتُستدعى وزارة العدل: هل نحن أمام خطاب إبادة أم هندسة صراع؟
احمد البهائي
2026 / 4 / 8الارهاب, الحرب والسلام
تصريح الرئيس الأمريكي Donald Trump بأن “حضارة بأكملها ستفنى الليلة ولن تعود أبدًا” لا يمكن التعامل معه كجملة عابرة في مؤتمر أو زلة لسان في لحظة توتر، لأن مثل هذا الكلام حين يصدر من رأس أقوى دولة في العالم يتحول فورًا من مجرد خطاب سياسي إلى إشارة استراتيجية، ومن رأي شخصي إلى رسالة دولية متعددة الطبقات، فهو في ظاهره تهديد مباشر يمكن أن يندرج قانونيًا ضمن التحريض على الإبادة الجماعية وفق اتفاقيات دولية واضحة، لكنه في عمقه أداة ضغط ضمن لعبة توازنات معقدة تُدار في الشرق الأوسط منذ عقود، وهنا تبدأ المفارقة التي تبدو مزعجة للبعض ومحبطة للبقية، وهي أن القانون يقول شيئًا والسياسة تفعل شيئًا آخر تمامًا، فبينما تُجرّم اتفاقية منع الإبادة الجماعية أي تهديد أو تحريض يستهدف جماعة بشرية، نجد أن الواقع الأمريكي يمنح الرئيس حصانة تنفيذية واسعة تجعله فوق المساءلة الفورية، لتتحول وزارة العدل من جهة قادرة على الفعل إلى جهة تراقب وتدوّن وتهمس بالنصائح، لا أكثر، فهي تقيّم المخاطر وتكتب التقارير وتوصي بتخفيف التصعيد أو إعادة صياغة الخطاب، لكنها لا تملك زرًا سحريًا لإيقاف رئيس قرر أن يتحدث بلغة النهاية الشاملة، وهذا ليس خللًا طارئًا في “دولة المؤسسات” بقدر ما هو جزء من تصميمها نفسه، حيث يُفترض أن التوازن بين السلطات يمنع الانفجار، لكنه في لحظات معينة يكتفي فقط بتسجيله، وهنا يبدو المشهد كما لو أن العالم يشاهد حادثًا بطيئًا ولا يملك سوى التعليق عليه، أما إذا خرجنا من الإطار القانوني ودخلنا إلى الجغرافيا السياسية، فسنجد أن التوقيت ليس عشوائيًا ولا منفصلًا عن سياق أوسع، فمنذ غزو العراق 2003 تغيّر ميزان القوى في المنطقة بشكل جذري، حيث اختفى العراق كقوة موازنة وصعدت إيران كلاعب إقليمي أساسي، ومنذ ذلك الحين لم يكن الهدف الأمريكي الإسرائيلي إسقاط إيران بقدر ما كان احتواءها وإعادة تشكيل دورها، لأن إسقاط دولة بحجم إيران ليس عملية جراحية نظيفة بل مقامرة قد تفتح أبواب فوضى لا يمكن إغلاقها، من تفكك داخلي إلى صراع إقليمي مفتوح إلى تدخل قوى كبرى، وهو سيناريو لا تتحمله لا الأسواق ولا الجيوش ولا حتى الحسابات الباردة لمراكز القرار، لذلك يصبح التصعيد اللفظي الحاد، حتى لو وصل إلى حد التهديد بفناء حضارة، جزءًا من أدوات الضغط لا مقدمة حتمية للحرب، رسالة تُرسل إلى طهران لتقول إن السقف يمكن أن يرتفع أكثر، وإلى حلفاء واشنطن في الخليج لتذكيرهم بأن الخطر قائم وأن المظلة الأمريكية ما زالت ضرورية، وإلى الداخل الأمريكي لإظهار الحزم في لحظة سياسية حساسة، وبهذا المعنى لا يكون التصريح انفجارًا بل أداة ضمن هندسة صراع دقيقة، حيث لا أحد يريد انتصارًا كاملاً ولا هزيمة كاملة بل حالة توتر مستمر تُبقي الجميع في موقع الحاجة والتبعية،، وفي هذا التداخل بين القانون والسياسة، بين التهديد والردع، وبين الحرب المحتملة والتفاوض غير المعلن، يتضح أن ما نسمعه ليس نهاية حضارة بقدر ما هو فصل جديد من صراع طويل يُعاد تشكيله كل مرة بلغة أكثر حدة، بينما يبقى الشرق الأوسط، كعادته، ليس لاعبًا في اللعبة بل المساحة التي تُلعب عليها.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صفارات الإنذار تدوي في الكويت والدفاعات الجوية تواجه -هجمات
.. استشهاد 3 فلسطينيين بقصف مدفعي إسرائيلي على حي الزيتون بغزة
.. مضيق هرمز بين الدبلوماسية والتصعيد.. قصة انهيار التفاهمات
.. ماذا حدث في أربيل؟.. القصة الكاملة للهجوم على القنصلية الأمي
.. عون في واشنطن.. هل يحمل مفتاح الاتفاق بين لبنان وإسرائيل؟