الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من يتحمّل مسؤولية تدمير الإقتصاد العالمي؟

زياد الزبيدي

2026 / 4 / 8
مواضيع وابحاث سياسية


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

9 نيسان/أبريل 2026

في مقاله المنشور بتاريخ 29 آذار/مارس 2026 على موقع مؤسسة الثقافة الاستراتيجية، يذهب المحلل الجيوسياسي الروسي ليونيد سافين إلى خلاصة حادّة: «الولايات المتحدة وإسرائيل وجّهتا ضربةً قويةً للإقتصاد العالمي».
لكن هذه الخلاصة، على حدّتها، تفتح بابًا لسؤال أكثر تعقيدًا: هل ما جرى يمكن فهمه فقط بوصفه “عدوانًا”، أم أنه يعكس منطقة رمادية تتداخل فيها القوة مع القانون، والسياسة مع الشرعية؟

من رواية سافين إلى سؤال الشرعية

يركّز سافين على أن الضربات الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران تمثّل أصل الأزمة، سواء من حيث التصعيد العسكري أو من حيث النتائج الاقتصادية الكارثية التي أعقبتها. غير أن هذا الطرح، على وضوحه، يواجه مباشرةً أحد أكثر مبادئ النظام الدولي حساسية: حظر إستخدام القوة.
فميثاق الأمم المتحدة يضع قاعدة عامة تبدو صارمة: الإمتناع عن إستخدام القوة أو التهديد بها. لكن هذه القاعدة ليست مطلقة تمامًا، إذ تُفتح لها نافذتان فقط: تفويض صريح من مجلس الأمن، أو ممارسة حق الدفاع الشرعي عن النفس.
وهنا تحديدًا يبدأ الجدل.


الدفاع عن النفس… أم ضربة وقائية؟

واشنطن وتل أبيب لم تُخفيا الأساس الذي إستندتا إليه:
العملية، وفق روايتهما، كانت “دفاعًا عن النفس” في مواجهة تهديد إيراني وُصف بأنه “وشيك” و”وجودي”.
لكن الإشكالية، كما تكشف القراءة القانونية الأوسع، لا تتعلق بالمبدأ بل بالتفسير.
فالدفاع الشرعي، في صيغته التقليدية، يرتبط بوقوع هجوم مسلح فعلي أو وشيك بشكل لا يحتمل التأجيل. أما توجيه ضربة لمنع تهديد مستقبلي—حتى لو كان محتملًا—فيقع ضمن ما يُعرف بـ”الضربة الوقائية”، وهي منطقة خلافية لا تحظى بقبول واسع في القانون الدولي.
ومن هنا، يكتسب توصيف سافين للولايات المتحدة وإسرائيل بوصفهما “معتديين” قدرًا من المشروعية في نظر شريحة من الفقهاء والدول، وإن لم يكن هذا التوصيف محل إجماع.

إيران بين حق الدفاع وحدود التناسب

إذا كان أصل الأزمة محل خلاف، فإن تداعياتها أكثر تعقيدًا. إيران، التي تعرّضت لضربات مباشرة، ردّت عسكريًا، وذهبت أبعد من ذلك عبر إغلاق فعلي لمضيق هرمز—أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وهنا تتقاطع القراءة القانونية مع التحليل الجيوسياسي.
فمن حيث المبدأ، يحق لإيران الرد دفاعًا عن نفسها. لكن هذا الحق ليس مفتوحًا، بل مقيّد بشرطين أساسيين: الضرورة والتناسب.
المشكلة، كما يراها كثير من الخبراء، أن إغلاق مضيق دولي—بما يحمله من تأثير مباشر على الإقتصاد العالمي—يتجاوز هذين الشرطين، ويمس بمصالح دول لا علاقة مباشرة لها بالصراع. ولهذا يُنظر إلى هذه الخطوة، في العديد من التفسيرات، على أنها تصعيد يتخطى حدود الدفاع المشروع، وهذا موضوع جدل قانوني لا ينتهي.


الإقتصاد كضحية… أم كسلاح؟

هنا تلتقي أطروحة سافين مع الواقع، حتى وإن إختلفت زوايا التفسير.
فالنتيجة التي يصفها—إنهيار سلاسل الإمداد، وإرتفاع أسعار الطاقة، وإضطراب الأسواق—لم تعد موضع جدل.
لكن السؤال الأهم ليس ماذا حدث؟ بل من المسؤول؟
سافين يقدّم إجابة واضحة: «العدوان الأمريكي–الإسرائيلي هو السبب الرئيسي».
غير أن القراءة الأوسع تُظهر صورة أكثر تركيبًا: الضربة الأولى فجّرت الأزمة، لكن الردود اللاحقة وسّعت نطاقها، والإقتصاد العالمي تحوّل، في الحالتين، إلى ساحة صراع غير مباشرة.
بمعنى آخر، لم يعد الإقتصاد مجرد ضحية، بل أصبح أداة ضغط ضمن المعادلة الجيوسياسية.

صمت القوى الكبرى… وتآكل القواعد

يلفت سافين أيضًا إلى مفارقة لافتة، حين يشير إلى أن القوى الغربية التي طالما حذّرت من مخاطر تعطيل سلاسل الإمداد، تبدو اليوم أقل إندفاعًا في توجيه النقد.
هذا الصمت، سواء فُسّر بازدواجية المعايير أو بحسابات المصالح، يعكس حقيقة أعمق: القانون الدولي، رغم وضوح نصوصه، يظل هشًّا أمام إرادة القوة.

خاتمة: منطقة رمادية بين القانون والواقع

ما بين ضربة أستُخدم لتبريرها “الدفاع عن النفس”، وردٍّ تجاوز حدود التناسب، تتكشف أمامنا صورة نظام دولي يعيش في منطقة رمادية.

سافين إختار زاوية واضحة، تُحمّل واشنطن وتل أبيب المسؤولية الأساسية.
لكن الواقع، كما توحي به الوقائع، أكثر تعقيدًا—حيثل تتداخل الشرعية مع القوة، ويصبح من الصعب رسم خط فاصل بين “الدفاع” و”العدوان”.

في النهاية، لا يكشف هذا الصراع فقط هشاشة الإقتصاد العالمي، بل يكشف ما هو أخطر: هشاشة القواعد التي يُفترض أنها تنظّم إستخدام القوة في عالم مضطرب.
فحين تتحول الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل الإقتصاد،
ويتحول الإقتصاد إلى ساحة صراع، يصبح السؤال الحقيقي ليس من بدأ— بل: هل ما زال هناك نظام دولي قادر على الضبط أصلًا؟


*****

هوامش

ليونيد سافين
محلل جيوسياسي روسي بارز، وصحفي وكاتب متخصص في العلاقات الدولية والإستراتيجيات الكبرى.
يُعرف بكونه أحد أبرز منظّري التيار الأوراسي الجديد المرتبط بفكر ألكسندر دوغين، حيث يدافع عن رؤية عالم متعدد الأقطاب وينتقد الهيمنة الغربية. يشغل سافين منصب رئيس تحرير موقع Geopolitika.ru منذ 2008، وأسس مجلة Journal of Eurasian Affairs.
له عشرات الكتب ومئات المقالات حول الحروب الهجينة، سلاسل الإمداد، والصراعات الجيوسياسية من منظور غير غربي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دبلوماسي باكستاني سابق للجزيرة: الصين لاعب رئيسي في معادلة ا


.. تحركات دبلوماسية مكثفة في إسلام آباد لإنجاح مفاوضات واشنطن و




.. ملف اليورانيوم الإيراني يعرقل مفاوضات واشنطن وطهران


.. الرئيس الأمريكي يأمل باتفاق مع إيران ويحذرها من عواقب رفض ال




.. الديوان الأميري القطري: أمير قطر أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس