الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


دهشة خفيفة وديجافو ثقيل

معتصم الصالح

2026 / 4 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


ها قد انتهى كل شيء... أو هكذا قيل
قطعة سياسية لفرقة نحاسية بدأت بالنفير، وانتهت باعتذارٍ مكتوب على عجل
واشنطن: حين يُعاد طلاء التراجع بلون النصر

خرجت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، لتعلن — بوجه لا يطرف له جفن، ولا يرفّ له منطق — أن الولايات المتحدة حققت نصرًا باهرًا جديدًا، من ذلك النوع الذي لا يُقاس بالنتائج، بل بعدد المرات التي يُعاد فيها ترداد كلمة "انتصار" أمام الكاميرات.

قالت إن الرئيس دونالد ترامب كان يتوقع منذ البداية أن تستمر العملية بين أربعة وستة أسابيع، لكنها انتهت بعد ثمانية وثلاثين يومًا فقط. أي إن الخطة، بحسب هذا المنطق العجيب، نجحت لأنها توقفت باكرًا، قبل أن يتاح للواقع وقتٌ كافٍ ليفسد الرواية.

أما الأهداف، فقد أُنجزت كلها، بل "تم تجاوزها". وهذا تعبير سياسي رشيق، يُستخدم عادة حين لا يكون من المناسب شرح ما الذي تحقق فعلًا، أو لماذا يبدو كل شيء بعد "النجاح" محتاجًا إلى هدنة عاجلة، وبيانات تطمين، ومخارج شرفٍ متعجلة.

الإدارة قالت أيضًا إن هذا النجاح منح الولايات المتحدة "أفضلية قصوى". وهي عبارة تصلح، في القاموس السياسي الحديث، لتعني واحدًا من أمرين:
إما أن الأمور خرجت عن السيطرة،
أو أن الوقت قد حان لإعلان الحكمة بعد نفاد الذخيرة البلاغية.

ثم جاء الحديث عن إعادة تشغيل مضيق هرمز، وكأن الرئيس الأمريكي لا يدير سياسة دولة، بل هيئة كونية للملاحة والمد والجزر. ولم يكن ينقص المشهد إلا أن يقال إن الرجل تدخّل شخصيًا لإقناع البحر بأن يكون أكثر تعاونًا مع المصالح الأمريكية.

وأضافت المتحدثة، بوقارٍ يصلح لإعلان وفاة الحقيقة نفسها:
"لا ينبغي أبدًا الاستهانة بقدرة الرئيس ترامب على تعزيز مصالح الولايات المتحدة."

وهذه جملة لا تُقال لتفسير شيء، بل لتأديب الشك.
فالمطلوب من السامع هنا ألا يفهم، بل أن يُعجب.
وألا يسأل: ماذا حدث؟
بل أن يكتفي بالتصفيق لهذا الإنجاز الذي يشبه إلى حد بعيد إطفاء الحريق بعد تقديمه على أنه عرضٌ للألعاب النارية.

في واشنطن، لم يعد المهم أن تنتصر.
المهم أن تمتلك جهازًا لغويًا قادرًا على تحويل كل ارتباك إلى حزم،
وكل مأزق إلى مبادرة،
وكل تراجع محسوب إلى قفزةٍ استراتيجية نحو الخلف.

القدس: سلامٌ مشروط باستمرار الانفجار

أما مكتب بنيامين نتنياهو، فقد أعلن دعمه لوقف إطلاق النار بتلك البرودة التي لا تتقنها إلا الحكومات المتمرسة في الجمع بين لغة التهدئة وإدارة القصف في الجملة نفسها.

ومعنى البيان، بعد إزالة مساحيق الدبلوماسية، كان واضحًا إلى حد الفضيحة:
نحن مع وقف إطلاق النار، شريطة ألّا يوقف شيئًا فعليًا.

وهكذا، واستكمالًا للمزاج السلمي العام، واصل سلاح الجو الإسرائيلي ضرباته على إيران، في مشهد يؤكد مرة أخرى أن مفهوم "التهدئة" في هذا الجزء من العالم لا يعني توقف النار، بل فقط تحسين القاموس الذي تُوصف به.

لقد بلغ الشرق الأوسط، في عبقريته السوداء، مرحلة لم تعد فيها الحرب تُعلن بوصفها حربًا، ولا السلام بوصفه سلامًا.
كل شيء هنا يُقال بعكسه:
القصف يُقدَّم كرسالة ضبط نفس،
والتصعيد يُباع باعتباره استعادة توازن،
والكارثة لا تُنفى، بل يُعاد تنسيق عباراتها لتصبح صالحة للنشر.

ما بعد الهدنة: حين تتكلم المدافع بلهجة المفاوضات

وما إن أُعلن عن وقفٍ لإطلاق النار لمدة أسبوعين، حتى بدأت جولة جديدة من القصف الإيراني، في تذكير بليغ بأن الحروب الحديثة لم تعد تنقض الهدنة؛ بل تشارك في تحرير نصوصها.

أُصيب أربعة أشخاص بجروح طفيفة في تل شِبع.
أما العالم، فأُصيب — كعادته — بجروح أعمق قليلًا في العقل، لكنه تعافى سريعًا بفضل البيانات الرسمية، تلك التي تُستخدم اليوم بدل الضمادات.

وكانت الطلقة الأخيرة من نصيب إيران.
وفي اللغة الدبلوماسية المعاصرة، لا يعني ذلك سوى أن "الحوار لا يزال مفتوحًا"، وأن الأطراف "تتبادل الرسائل"، وأن كل شيء يسير — كما يقول المعلقون المأجورون — ضمن "سقف مضبوط من التصعيد".

ثم جاء ترامب، كعادته، ليضع ختمه الشخصي على العبث كله، معلنًا على منصة X أنه يوافق على تعليق القصف والهجمات الإيرانية لمدة أسبوعين، وأن هذا سيكون "وقفًا ثنائيًا لإطلاق النار".

يا لها من عبارة رقيقة: ثنائي.
كأننا أمام أمسية موسيقية، لا أمام حافة هاوية.
كأن المسألة موعد بين خصمين متحضرين، لا اشتباك بين طرفين يتبادلان "حسن النيات" على رؤوس المدنيين.

والحق أن أكثر ما يثير الإعجاب في السياسة المعاصرة ليس قدرتها على الكذب، فذلك أمر قديم؛
بل قدرتها على الكذب بصياغة أنيقة،
بحيث يبدو الخراب نفسه وكأنه مذكرة تفاهم.

الخاتمة: العالم بين تأجيل القيامة وتمديد المسرحية

أما نهاية العالم، فلم تُلغَ بالطبع.
هذا امتياز لا تملكه الإدارات السياسية، مهما بلغ تضخمها الخطابي.
كل ما في الأمر أنها أُجّلت قليلًا، إلى إشعار آخر، أو إلى ما بعد المؤتمر الصحفي المقبل.

وربما هذه هي العبقرية الحقيقية للنظام الدولي اليوم:
أن يُخيف البشرية أولًا باحتمال الانفجار الكبير،
ثم يعود ليتفضل عليها بإلغاء الموعد،
طالبًا في المقابل قدرًا معقولًا من الامتنان.

إنها سياسة تقوم على افتعال الهاوية ثم التباهي بعدم السقوط الكامل فيها.
يُشهرون الكارثة في وجه العالم،
ثم يطلبون التصفيق لأنهم لم يضغطوا الزر حتى النهاية.

وهكذا لا تعود البطولة في منع الحرب،
بل في إدارتها كعرضٍ مسرحي طويل:
تصعيد في الفصل الأول،
ذعر في الفصل الثاني،
بيان انتصار في الفصل الثالث،
ثم استراحة قصيرة قبل إعادة العرض.

لأن المهم في هذه المسرحية ليس من قصف من،
ولا من كذب أكثر،
ولا حتى من خرج أخيرًا وهو يلوّح بورقة "السلام".
المهم حقًا هو أن يُعلَن الأنترَكت في اللحظة المناسبة،
قبل أن يدرك الجمهور أن ما شاهده لم يكن سياسة،
ولا دبلوماسية،
ولا حتى حربًا بالمعنى القديم.

لقد كان، ببساطة شديدة،
عرضًا متقن الإخراج
لفوضى ترتدي ربطة عنق.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صراع الأجنحة في إيران.. هل يكسر الحرس الثوري مسار التفاوض مع


.. شبكات | حريق ضخم يبتلع قرية عائمة في ماليزيا.. لماذا يبنون م




.. شبكات | تصدير النفط العراقي عبر سوريا بدلا عن هرمز؟


.. نافذة من باكستان | مفاوضات إسلام آباد.. هل تنجح الدبلوماسية




.. تصريحات لبنانية تؤكد أن الدبلوماسية ليست استسلاما وسط تصعيد