الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من “الميليشيا” إلى “الفاعل الهجين”: نقد اختزال العنف وإشكالية إسقاط النموذج الغربي في تحليل الكيانات المسلحة

أحمد مظهر غالي
باحث و كاتب , ماجيستير في علم نفس التاريخ PSYCHOHISTORY

(Ahmed Mazhar Ghaly)

2026 / 4 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


✳️ مقدمة

يُستخدم مصطلح “الميليشيا” بكثافة في الأدبيات السياسية والإعلامية لوصف كيانات مثل حزب الله والحشد الشعبي وأنصار الله. غير أن هذا الاستخدام، على شيوعه واستقراره الظاهري، ينطوي على اختزال معرفي بالغ، إذ يعيد تعريف هذه الكيانات من زاوية واحدة ضيقة، هي زاوية العنف، متجاهلًا تعقيدها البنيوي وتشابكها مع الحقول السياسية والاجتماعية التي نشأت فيها.

ومن ثم، فإن هذه الدراسة لا تقف عند حدود نقد المصطلح، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الأساس النظري الذي يستند إليه، أي النموذج الغربي للدولة، بوصفه معيارًا يُقاس عليه ما سواه، دون التفات كافٍ إلى خصوصيات السياقات التاريخية التي أنتجت هذه الكيانات.

---

أولًا: أزمة تعريف “الميليشيا” وحدود التصور الويبرى

ينطلق التصور الكلاسيكي من تعريف Max Weber للدولة:

> “The state is a human community that (successfully) claims the monopoly of the legitimate use of physical force within a given territory.”

الترجمة:
الدولة هي جماعة بشرية تدّعي، بنجاح، احتكار الاستخدام المشروع للقوة الفيزيائية داخل إقليم معين.

يؤسس هذا التعريف ثنائية حادة تفصل بين ما هو شرعي وما هو خارج عن الشرعية، بين الدولة بوصفها مركزًا منظمًا للعنف، والميليشيا بوصفها انحرافًا عن هذا المركز. غير أن هذه الثنائية، في صرامتها الظاهرية، تخفي افتراضًا ضمنيًا يتمثل في وجود دولة مكتملة التشكّل، مستقرة السيادة، وهو افتراض لا يستقيم عند إسقاطه على العديد من المجتمعات التي لم تعرف هذا المسار التاريخي ذاته.

---
ثانيًا: العنف بوصفه أصل الدولة وتفكيك السردية المعيارية

يقدّم Charles Tilly قراءة مغايرة تقوّض هذا التصور من أساسه، إذ يقرر:

> “War made the state, and the state made war.”

الترجمة:
الحرب صنعت الدولة، والدولة صنعت الحرب.

ويذهب أبعد من ذلك حين يقول:

> “If protection rackets represent organized crime at its smoothest, then war-making and state-making… qualify as our largest examples of organized crime.”

الترجمة:
إذا كانت شبكات الحماية تمثل الجريمة المنظمة في أكثر صورها سلاسة، فإن صناعة الحرب وصناعة الدولة تمثلان أكبر أمثلة الجريمة المنظمة.

تكشف هذه الأطروحة أن العنف ليس طارئًا على الدولة، ولا شذوذًا عنها، بل هو من صميم تكوينها التاريخي. ومن ثم، فإن التمييز الصارم بين عنف “شرعي” تمارسه الدولة، وعنف “غير شرعي” تمارسه كيانات أخرى، ليس تمييزًا وصفيًا خالصًا، بل هو في جوهره حكم معياري متأخر، يُضفي الشرعية على نتيجة تاريخية مكتملة، وينزعها عما لا يزال في طور التشكل.

---
ثالثًا: من نقد النشأة إلى نقد النموذج الغربي

إذا كان العنف قد أسهم في نشأة الدولة الغربية نفسها، فإن تعميم هذا النموذج بوصفه الصورة الوحيدة الممكنة للدولة يثير إشكالًا مزدوجًا: إشكالًا تاريخيًا وإشكالًا معرفيًا. فالنموذج الذي يُقدَّم باعتباره معيارًا كونيًا ليس إلا ثمرة سياق أوروبي خاص، تخللته قرون من الحروب الداخلية والتنافس بين قوى متنازعة، قبل أن يستقر في صيغته الحديثة.

يشير Joel Migdal إلى هذا التعدد البنيوي بقوله:

> “In many societies, the state is only one of many organizations exercising social control.”

الترجمة:
في العديد من المجتمعات، الدولة ليست سوى واحدة من بين عدة تنظيمات تمارس السيطرة الاجتماعية.

يدل هذا الطرح على أن الدولة، في كثير من السياقات، لا تحتكر المجال السياسي، بل تتقاسمه مع فاعلين آخرين يمتلكون بدورهم أشكالًا من الشرعية والقدرة. ومن هنا، فإن الإصرار على قياس هذه المجتمعات بمقياس الدولة المركزية الصلبة لا يؤدي إلى فهمها، بل إلى اختزالها وإعادة تشكيلها نظريًا بما يتوافق مع نموذج مسبق.

ثم إن النموذج الغربي ذاته لا يخلو، حتى في صيغته المعاصرة، من مظاهر التعدد في ممارسة القوة، سواء عبر الشركات الأمنية الخاصة، أو عبر أشكال من التفويض غير المباشر للعنف، الأمر الذي يضعف الادعاء بوجود احتكار نقي ومطلق للعنف حتى في أكثر السياقات استقرارًا.

لماذا النموذج الغربي ليس مثاليًا أو منفردًا؟
1. تاريخيًا: لم يكن النموذج الغربي “نقيًا”
أوروبا نفسها عاشت قرونًا من:
الإقطاع
الجيوش الخاصة
سلطات دينية مسلحة
أي أنها مرت بمرحلة “ميليشياوية” إن صح التعبير

معاصرًا: النموذج لم يختفِ حتى في الغرب
حتى اليوم: شركات عسكرية خاصة (Private Military Contractors)
تدخلات خارج إطار الدولة أحيانًا
شبكات أمنية متعددة
ما يعني أن احتكار العنف: ليس مطلقًا حتى في السياق الغربي نفسه
---
رابعًا: الفاعلون الهجناء وإعادة توصيف الكيانات المسلحة

في ضوء ما سبق، تغدو الحاجة ملحّة إلى تجاوز مفهوم “الميليشيا” نحو مفاهيم أكثر قدرة على استيعاب التعقيد، مثل مفهوم الفاعل الهجين. فكيانات مثل حزب الله لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري، إذ تجمع بين التمثيل السياسي، والعمل الاجتماعي، والقدرة العسكرية، في تركيب يصعب فصله إلى مكونات مستقلة.

وقد عبّر أحد الباحثين عن ذلك بقوله:

> “Hezbollah is not simply a militia it is a social and political movement deeply embedded in Lebanese society.”

الترجمة:
حزب الله ليس مجرد ميليشيا، بل هو حركة اجتماعية وسياسية متجذرة بعمق في المجتمع اللبناني.

إن هذا التداخل بين الوظائف لا يعكس فوضى، بقدر ما يعكس نمطًا مختلفًا من تنظيم السلطة، حيث تتوزع الأدوار بين فاعلين متعددين، بدل أن تتركز في كيان واحد.

---
خامسًا: العنف كضرورة بنيوية

في سياقات تتسم بهشاشة الدولة أو غيابها، أو تتعرض فيها الجماعات لتهديدات وجودية، يصبح العنف، في كثير من الأحيان، ليس خيارًا أخلاقيًا يمكن قبوله أو رفضه، بل ضرورة تفرضها شروط البقاء. ومن ثم، فإن الحكم على هذه الكيانات انطلاقًا من معيار سلمي مجرد، دون اعتبار للظروف التي نشأت فيها، ينطوي على قدر من التجريد الذي يبتعد عن الواقع أكثر مما يفسره.

وهنا يتحول السؤال من مساءلة أخلاقية مباشرة إلى سؤال بنيوي أعمق: هل كان بالإمكان أن تتشكل هذه الكيانات في غياب العنف؟ أم أن العنف كان، في لحظة معينة، الأداة الوحيدة المتاحة لفرض الوجود السياسي؟

---
عالميًا: فشل التعميم في دول مثل:
لبنان
العراق
اليمن
الدولة:ليست الفاعل الوحيد
ولا المركز الوحيد للشرعية
وبالتالي: فرض النموذج الڤيبرى يؤدي إلى: تشويه الواقع بدل تفسيره
...............
نحو إعادة تأطير المفهوم:
بدلًا من “الميليشيا”، تقترح هذه الورقة استخدام مفاهيم مثل:
الفاعل الهجين
السلطة المتعددة (Plural Authority)
السيادة المجزأة (Fragmented Sovereignty)
هذه المفاهيم تسمح بـ:
فهم أكثر تعقيدًا
تجاوز الأحكام المعيارية
تحليل واقعي للبنى السياسية


🧾 خاتمة

إن الاستمرار في استخدام مصطلح “الميليشيا” بوصفه توصيفًا شاملًا للكيانات المسلحة في الشرق الأوسط لا يعكس فقط قصورًا مفاهيميًا، بل يكشف أيضًا عن انحياز معياري يسعى إلى قياس الواقع غير الغربي بمسطرة الدولة الحديثة الغربية.

غير أن هذا النموذج ذاته، الذي يُقدَّم بوصفه مثالًا أعلى، ليس سوى نتاج تاريخي خاص، تشكّل عبر العنف، ولم يبلغ حتى في سياقه الأصلي حالة النقاء التي يُفترضها الخطاب النظري.

وعليه، فإن هذه الكيانات ليست مجرد فواعل عنيفة، بل هي تعبيرات عن أزمات السيادة، ونتاجات تاريخية لسياقات معقدة، حيث يصبح العنف أحيانًا اللغة الوحيدة الممكنة للوجود السياسي.

بل يمكن القول إن الإصرار على نعتها بالميليشيات لا يكشف عن طبيعتها بقدر ما يكشف عن رغبة في إخضاعها لنموذج معياري مسبق، يعجز عن استيعاب تعددية أشكال السلطة في العالم المعاصر.

---

الهوامش

1. Weber, Max. Politics as a Vocation, 1919.
2. Tilly, Charles. War Making and State Making as Organized Crime, 1985.
3. المرجع نفسه.
4. Migdal, Joel. Strong Societies and Weak States, 1988.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف تمضي هدنة عيد الفصح في ظل اتهامات متبادلة بين أوكرانيا و


.. الخبير العسكري نضال أبو زيد: إعلان الحصار على الموانئ جاء كو




.. -الالتفاف البري-.. خطة إيران لكسر حصار هرمز عبر العراق وتركي


.. -خريطة الحصار-.. كيف ستمنع واشنطن إيران من تصدير النفط؟




.. هل يمهد الحصار البحري الأميركي على إيران لتصعيد عسكري شامل؟