الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إيران وأمريكا بين التصعيد والتسوية الاستراتيجية

حسين علي محمود

2026 / 4 / 11
مواضيع وابحاث سياسية


في لحظات التوتر الكبرى لا تكون التفاصيل الصغيرة هي ما يلفت الانتباه، بل الإشارات الكبيرة التي تكشف طبيعة المرحلة.
ومن بين هذه الإشارات يبرز سؤال يبدو بسيطاً لكنه عميق في دلالاته ماذا يعني أن يجلس مسؤول من أعلى هرم السلطة على طاولة التفاوض؟!
حين يرتفع مستوى التمثيل السياسي في أي مفاوضات لا يكون ذلك مجرد تبديل في الأسماء أو الألقاب، بل يعكس تحولاً حقيقياً في طبيعة اللحظة.
فالدول لا تدفع بأثقل أوراقها إلا عندما تشعر أن الوقت لم يعد يحتمل المراوغة وأن القرارات القادمة لن تكون عادية، بل ستلامس جوهر المصالح الاستراتيجية.
وعندما يطرح اسم مثل جيمس ديفيد فانس(جيه دي فانس) نائب الرئيس الأمريكي في سياق أدوار تفاوضية عليا، فإن ذلك لا يقرأ بوصفه تفصيلاً عابراً، بل كإشارة إلى أن القرار انتقل من مستوى الإدارة اليومية إلى مستوى الحسابات الكبرى.
في الحالة الأمريكية–الإيرانية، لا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن تاريخ طويل من التوتر الذي لم يعرف استقراراً حقيقياً.
تتحرك العلاقة بين الطرفين عادة بين التصعيد والتهدئة، بين حافة المواجهة ومحاولات احتوائها لكن ما يميز المرحلة الحالية هو تزامن ضغوط متبادلة تدفع كل طرف إلى إعادة حساباته دون أن يتخلى عن أدواته.
تمضي الولايات المتحدة في سياسة ضغط اقتصادي وسياسي بهدف تغيير سلوك إيران بينما ترى إيران أن عناصر قوتها من برنامجها النووي إلى حضورها الإقليمي ليست عبئاً بل رصيداً تفاوضياً استراتيجيا يمنحها موقعاً على الطاولة وهو ما ينعكس أيضاً في أدوار شخصيات مؤثرة داخل النظام مثل محمد باقر قاليباف الذي يمثل أحد وجوه التوازن بين السياسة والأمن داخل بنية القرار الإيراني.
عندما ينتقل التفاوض إلى مستوى القيادات العليا، فإن النقاش يتغير بطبيعته، لم يعد الحديث يدور حول تفاصيل تقنية أو خطوات مرحلية، بل حول أسئلة كبرى تتعلق بما يمكن تقديمه وما لا يمكن التنازل عنه.
في هذا الموضوع لا يأتي المسؤول لينقل رسائل فقط، بل ليقترب من صناعة القرار ذاته وهذا ما يمنح المفاوضات طابعاً حاسماً ويجعلها أقرب إلى لحظة تقرير المصير منها إلى جولة عادية من الحوار.
ومع ذلك فإن هذا الثقل السياسي لا يعني بالضرورة وجود ثقة بين الأطراف وغالباً ما يحدث العكس تماماً، إذ ترتفع مستويات التمثيل في ظل غياب الثقة لا في ظل تحققها.
كل طرف يدخل وهو يحمل شكوكه ويسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب دون تقديم تنازلات مؤلمة إلا عند الضرورة.
هنا يظهر التناقض الواضح مفاوضات في أعلى مستوى لكنها قائمة على أرضية هشة من الشك والحذر وفي مثل هذه الظروف تضيق مساحة المناورة.
لم يعد هناك مجال كبير للاتفاقات الجزئية التي تؤجل الأزمة دون حلها ولا للمراوغات الطويلة التي تشتري الوقت دون تغيير الواقع.
تصبح الخيارات أكثر وضوحاً لكنها أيضاً أكثر كلفة وإما التوصل إلى تسوية تعيد صياغة العلاقة وفق قواعد جديدة حتى لو كانت هذه التسوية هشة ومؤقتة أو الفشل الذي لا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، بل يدفعها نحو مستوى أعلى من التصعيد.
ما يجعل الصورة أكثر تعقيداً أن هذا التفاوض لا يجري في فراغ حيث نتائجه لا تخص طرفين فقط، بل تمتد إلى منطقة كاملة تتأثر توازناتها بكل خطوة.
من أمن الممرات البحرية إلى استقرار أسواق الطاقة ومن شكل التحالفات الدولية إلى حسابات القوى الإقليمية كلها عناصر ترتبط بشكل أو بآخر بما ستؤول إليه هذه المفاوضات.
لذلك فإن رفع مستوى التفاوض ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل إشارة إلى أن المرحلة دخلت طوراً أكثر حساسية حيث تقل الخيارات وتزداد الكلفة ويصبح القرار أكثر صعوبة.
حين تصل المفاوضات في المحصلة النهائية إلى قمة الهرم السياسي، فإن الرسالة لا تحتاج إلى إعلان مباشر، إذ تكون الأمور أمام لحظة اختبار حقيقية، لحظة تتحدد فيها قدرة الأطراف على الوصول إلى تسوية صعبة دون الانزلاق إلى مواجهة مكلفة.
هي لحظة تقف فيها المنطقة على خط دقيق بين التراجع عن حافة الهاوية أو الاقتراب منها أكثر وبين هذين الاحتمالين يبقى العامل الحاسم ليس فقط ما يقال داخل قاعات التفاوض، بل ما يقرره كل طرف خارجها هل يريد الاستمرار في إدارة الصراع، أم أنه مستعد للذهاب أبعد من ذلك نحو إنهائه؟!

* يقول الدكتور معمر الكبيسي (قانوني وباحث سياسي)
"في خضم الجدل المتصاعد حول جدية المفاوضات التي تجريها إدارة الرئيس ترامب مع النظام الإيراني في باكستان، يبرز تطور لافت يتمثل في رفع مستوى التمثيل التفاوضي إلى أعلى هرم السلطة في البلدين. فحضور جيه دي فانس(جيمس ديفيد فانس) عن الجانب الأمريكي، في مقابل محمد باقر قاليباف الذي يمثل أحد أبرز أوجه منظومة الحرس الثوري في إيران، لا يمكن قراءته كخطوة بروتوكولية عابرة، بل كمؤشر على طبيعة المرحلة وخطورة مآلاتها.
هذه المفاوضات لا تجري في فراغ، بل تأتي في سياق ضاغط يتقاطع فيه مساران متوازيان:
الأول، سياسة "الضغط الأقصى" الأمريكية، ومبدأ "القوة تصنع السلام" الذي تتبناه المدرسة الترامبية في إدارة الصراعات، والثاني، تمسك إيران بعناصر قوتها الصلبة، من تهديد الملاحة في مضيق هرمز، إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من اليورانيوم المخصب، فضلا عن تطوير الصواريخ الباليستية وتفعيل أذرعها الإقليمية.
أمام هذا المشهد، يصبح رفع مستوى المفاوضين بحد ذاته رسالة سياسية. فحين يجلس نائب الرئيس الأمريكي على طاولة التفاوض، فإن ذلك يعني أن واشنطن لا تختبر النوايا فحسب، بل تضع احتمالات الحسم على الطاولة، سواء باتجاه التسوية أو التصعيد."

* ويضيف الكبيسي "كما إن وجود جيمس ديفيد فانس في هذا المستوى من التفاوض يعكس بعدين متداخلين: فهو، من جهة، يمثل الامتداد المباشر لقرار البيت الأبيض، بما يحمله من تفويض سياسي كامل من الرئيس.
ومن جهة أخرى، يشكل حلقة وصل مؤسسية مع الكونغرس، بحكم موقعه الدستوري وعلاقته الوثيقة بمجلس الشيوخ.
هذه الازدواجية تمنح فانس وزنا تفاوضيا استثنائيا؛ إذ لا ينقل مجرد رسائل، بل يحمل قدرة فعلية على ترجمة أي تفاهمات إلى قرارات قابلة للتنفيذ داخل البنية السياسية الأمريكية. وهو ما قد يفسر، إلى حد بعيد، قبول إيران بهذا المستوى من التمثيل، بل وربما السعي إليه، باعتباره يوفر قدرا أعلى من "ضمانات الجدية" مقارنة بالمفاوضات التقليدية منخفضة المستوى.
في المقابل، فإن هذا المستوى من التفاوض لا يعكس فقط جدية البحث عن حل، بل يكشف أيضا عن اقتراب لحظة الاختبار. فحين تُدار المفاوضات بهذا الثقل السياسي، فإن البدائل المطروحة لا تكون مفتوحة على كل الاحتمالات، بل تميل إلى مسارين رئيسيين: إما تسوية كبرى تُعيد ترتيب العلاقة ضمن شروط جديدة، أو فشل يقود إلى تصعيد محسوب قد يتطور إلى مواجهة أوسع. ومن هنا، فإن وجود نائب الرئيس الأمريكي على طاولة التفاوض لا يمكن فصله عن سيناريو ما بعد المفاوضات؛ إذ إنه يمثل، في الوقت ذاته، جسرا نحو الاتفاق إن تحقق، وأداة لتسويغ التصعيد إن انهار.
إن دخول جيه دي فانس على خط التفاوض مع إيران يختصر طبيعة المرحلة:
مفاوضات على حافة الحسم، وثقة مشروطة، وخيارات ضيقة بين تسوية صعبة أو مواجهة مكلفة.
وبين هذين المسارين، تتحرك المنطقة بأكملها فوق خط دقيق، حيث لا مجال للمناورة الطويلة، ولا مكان للاتفاقات الرمادية."








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قريبا، كسوفٌ كلّي للشمس.. ما هي أسرار الظاهرة النادرة وأين ي


.. آثار ليبيا بين النهب والكوارث.. علماء الآثار يصارعون لإنقاذ




.. أميركا توسّع ضرباتها على إيران.. ما سر استهداف الجسور وطرق ا


.. عودة عمليات تحميل النفط الخام من موانئ جنوب العراق




.. قراءة عسكرية | تصاعد الحوادث في مضيق هرمز بعد تصعيد أمريكي إ