الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ميزان القرب: مفاوضات إسلام آباد بين إدارة الانفجار لا صناعة السلام
يزن تيسير سعاده
كاتب وباحث في العلاقات الإنسانية، مؤسس مدرسة ميزان القرب.
(Yazan Saadeh)
2026 / 4 / 11
مواضيع وابحاث سياسية
في "ميزان القرب" لا تُقرأ المفاوضات كحدث دبلوماسي معزول، بل كمسافة متحركة بين قرارين: قرار التهدئة وقرار الانفجار. وكلما اقتربت الأطراف من إعلان تفاهم، ارتفع في المقابل مستوى التوتر في الميدان أو في الخطاب أو في بنية القرار نفسها. ما يجري في إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة لا يمكن فهمه خارج هذه القاعدة، فهو ليس مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل إدارة دقيقة لزمن الانفجار المؤجل، حيث تتحول الطاولة إلى ساحة ضبط إيقاع لا ساحة حلول نهائية.
وفق هذا المنهج، فإن أول مؤشر لا يُقرأ في "مضمون الاتفاق" بل في "تضارب الروايات". التناقض بين التسريبات الإعلامية حول تقدم في ملفات حساسة مثل الأصول والعقوبات، وبين النفي السريع لهذه التسريبات، لا يعكس مجرد خلل إعلامي، بل يكشف أن مركز القرار نفسه لم يستقر بعد على تعريف واحد لما يُراد التوصل إليه. في ميزان القرب، تعدد الروايات داخل الدولة الواحدة هو علامة على أن القرار ما زال في مرحلة الاهتزاز، وأن المفاوضات تُدار تحت ضغط توازنات داخلية لا تقل أهمية عن الطرف المقابل.
أما الطرف الإيراني، فإن قراءته وفق ميزان القرب لا تقوم على أنه يدخل التفاوض بحثاً عن تحسين شروط جزئية، بل كطرف يسعى إلى رفع "عتبة القبول الإقليمي" قبل أي اتفاق. أي أن الشروط المطروحة لا تُفهم كتنازلات تفاوضية، بل كمحاولة لإعادة تعريف شكل الإقليم نفسه: من النفوذ البحري إلى ملفات العقوبات وإعادة التموضع الجيوسياسي. هنا لا يعود السؤال: ما الذي يمكن التنازل عنه؟ بل: ما الذي يجب تثبيته قبل تثبيت أي اتفاق؟
لكن ميزان القرب يُظهر أيضاً أن الميدان ليس خلف السياسة بل داخلها. فاستمرار التصعيد في أكثر من ساحة بالتوازي مع الحديث عن التهدئة، يعني أن الرسائل تُدار بنظام مزدوج: تفاوض في الأعلى، وضغط في الأسفل. وكل حركة ميدانية هنا ليست حدثاً عسكرياً منفصلاً، بل رسالة تفاوضية موجهة للطاولة نفسها. وعليه، يصبح وقف النار ليس نتيجة التفاوض، بل جزءاً من أدواته.
ومع دخول قوى دولية وإقليمية على خط المشهد، يتغير شكل الميزان من ثنائي إلى متعدد الطبقات. الصين، روسيا، وقوى إقليمية أخرى لا تتحرك بوصفها وسطاء سلام فقط، بل كضامنين لمنع احتكار نتيجة الصراع من قبل طرف واحد. في ميزان القرب، كل لاعب إضافي لا يخفف التوتر بالضرورة، بل يعيد توزيع احتمالات الانفجار ويزيد من تعقيد لحظة القرار النهائي.
أما الاقتصاد، فهو في هذا المنهج ليس خلفية تحليلية، بل عنصر ضغط مباشر. ارتفاع كلفة المواجهة، اضطراب أسواق الطاقة، والضغوط الداخلية على القرار السياسي في واشنطن، كلها تشير إلى أن التفاوض لا يتم من موقع قوة مطلقة، بل من موقع محاولة ضبط كلفة الانفجار قبل وقوعه. وهنا تصبح الدبلوماسية ليست بحثاً عن حل، بل بحثاً عن "زمن إضافي".
في ميزان القرب، لا توجد لحظة حيادية في مثل هذه المفاوضات. إما أن تقترب الأطراف من اتفاق يُعيد تعريف التوازن، أو تقترب من نقطة الانفجار التي تُعيد إنتاج الصراع بشكل أوسع. وبين هذين الحدّين، تتحول مفاوضات إسلام آباد إلى مساحة إدارة توتر أكثر منها صناعة سلام، وإلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الدولي على تأجيل الانفجار دون أن يفقد السيطرة عليه بالكامل.
وهكذا، فإن ما يبدو على السطح مفاوضات، هو في العمق حركة دقيقة داخل ميزان واحد: كل خطوة نحو الاتفاق تُقابل بخطوة في اتجاه الميدان، وكأن السلام نفسه لم يعد نهاية الصراع، بل إحدى طرق إدارته.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هجمات أميركية لا تتوقف على إيران.. هل عاد ترامب لاستراتيجية
.. محاولة فهم | بعد عقد من الانقلاب الفاشل.. كيف تغيرت تركيا؟
.. قراءة عسكرية.. التصعيد يتسارع والعمق الإيراني يدخل دائرة الا
.. خارج الصندوق | الحكومة العراقية: دولتنا كاملة السيادة وحصر ا
.. فرنسا: ما أسباب الجدل حول قانون -المساعدة على إنهاء الحياة-