الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من يحمل السلاح هو قاتل مع سبق الإصرار

احمد موكرياني

2026 / 4 / 12
المجتمع المدني


كتبت في هذه المنصة في سنة 2024 "نحن مقبلون على عصر مماثل لعصر رعاة البقر في أمريكا"
وذكرت: "إذا فاز المغرور الفاسد دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة مرة أخرى، فمن المتوقع أن يكون لذلك تأثير كبير وسيء على الوضع العالمي في عدة جوانب، سواء في السياسة الخارجية: تجاه الصين، وإيران، وحلف الناتو، والتجارة العالمية؛ أو في السياسة الداخلية: الهجرة، وخفض الضرائب على الأغنياء في أمريكا. فربما يكون آخر رئيس للولايات المتحدة الأمريكية."
كان تقديري متواضعًا، فقد تجاوز الوضع أكثر التوقعاتِ تشاؤمًا. استولى ترامب على فنزويلا، ويحاول السيطرة على غرينلاند، وتدور حرب مدمّرة ضد إيران لصالح إسرائيل. والله أعلم بما قد يقوم به لاحقًا للحفاظ على رئاسته الثانية لأكبر دولة عسكرية في العالم.
في إحدى محطات تزويد الوقود لسيارتي في دولة أوروبية، كنت أشرب القهوة، وكان يشاركني على الطاولة المستديرة عالية بدون مقاعد، شرطيٌّ ضخمٌ الجسم مدجّجٌ بالسلاح. فسألته: "هل أنت مستعد لقتل إنسان؟" فكان جوابه: "نعم، إذا اضطررتُ إلى القتل". فألقيتُ عليه محاضرةً عمّا أعتبره أن "كل من يحمل السلاح هو قاتلٌ مع سبق الإصرار"، وأخبرته بقصة قتل قابيل لأخيه هابيل منذ بداية الخليقة، أي دوافع القتل الإنسان للآخر بدأت مع خلق البشرية، استمع إليّ بهدوء، ولم يتعصّب، ولم يعترض على وجهة نظري.

استعملت هذه العبارة: "كل من يحمل السلاح قاتل مع سبق الإصرار"، أو نطقت بها لأول مرة في اليمن عندما كنت في سيارة مع صديق يمني عزيز، أصبح محافظًا لمحافظة إب ووزيرًا للداخلية ومستشار مقربا للرئيس علي عبدالله صالح، في طريقنا إلى عمران: الأخ يحيى المتوكل، رحمة الله عليهما ورضوانه. كنت أدعوه الرئيس غير المتوج لليمن، لأنه حسب معلوماتي أنه في عهد الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي، طلب اليمنيون من الرئيس الحمدي أن يتنازل عن الرئاسة لصالح المرحوم يحيى المتوكل، فإذا بالرئيس الحمدي يعينه سفيرًا ليظل خارج اليمن، إلى أن عاد إلى اليمن في عهد الرئيس علي عبدالله صالح بتوسط من الشيخ عبدالله الأحمر، رحمة الله عليهم جميعًا. وعندما عُيّن محافظًا لمحافظة إب، اتصلت به هاتفيًا لأهنئه، فقلت له: "كنت أنتظر أن أهنئك، مبروك يا رئيس".
وكان تعليقي على كثرة السلاح عند اليمنيين: "أعتبر كل من يحمل السلاح قاتلًا مع سبق الإصرار، مع تقديري للجندي الذي يحمي الحدود"، حيث لا تجد يمنيًا لا يحمل أو لا يملك السلاح.
في إحدى الأيام، سألت شابًا كهربائيًا كان يركب محولة كهربائية صغيرة في مكتبي في صنعاء لتضخيم الجهد الكهربائي، فسألته: هل عندك سلاح في البيت؟، فكان رده: نعم، كذا وكذا وثماني قنابل يدوية. استوقفني ذكره للقنابل اليدوية! كهربائي شاب يحتفظ بقنابل يدوية في بيته، فكم يملك الآخرون من الأسلحة وأنواعها؟

في العالمٍ يتسارع فيه منطق القوة على حساب العقل، يبرز سؤالٌ جوهري يتجاوز السياسة والقانون:
"هل يمكن تبرير استخدام السلاح لحل النزاعات؟"
الإجابة، مهما اختلفت المدارس الفلسفية، والفقهية تكشف حقيقة واحدة: كلما اقترب الإنسان من السلاح، ابتعد خطوة عن إنسانيته.
ليس السلاح مجرد أداة. إنه إعلان ضمني بأن الحوار قد فشل، وأن العقل قد استُبدل بالغريزة، وأن الإنسان قرر أن يُخضع الآخر لا أن يفهمه في النزاعات الشخصية، يصبح استخدام السلاح تعبيرًا صارخًا عن عجز أخلاقي، حيث يتحول الخلاف إلى حكم بالإعدام، وتتحول الإرادة إلى سلطة مطلقة على حياة الآخر. هنا، لا يمكن الحديث عن تبرير، بل عن سقوط واضح في هاوية العنف المتعمد.

الكثير من الروايات تصف الفتوحات الإسلامية على أنها غزوات من أجل الغنائم والسبايا، وهذه الروايات تُعدّ صحيحة بالنسبة للفترة التي تلت الخلافة الراشدة الأولى، أي حتى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب، رحمه الله ورضوانه عليه، رابع الخلفاء الراشدين المنتخبين بالشورى.
أما الدول الأموية والعباسية والعثمانية، فقد تخلّت عن نظام الحكم الإسلامي القائم على الشورى، وانتقلت إلى الحكم الوراثي داخل العائلة، فقد كانت تستخدم الإسلام لتبرير غزواتها من أجل الغنائم والسبايا. وعلى وجه الخصوص، كانت الدولة العثمانية تقوم في عقيدتها على التوسع عبر الغزوات والحروب منذ خروجها من موطنها الأصلي في جبال ألتاي شمال غربي منغوليا. وقد أدى ذلك إلى تدهور الثقافة والعلوم في العالم الإسلامي نتيجة تجنيد معظم أبناء المسلمين في حروبها، حتى وصلت نسبة الأمية في بغداد إلى أكثر من 80%، بعد أن كانت مركزًا علميًا وثقافيًا للعالم أجمع.
أن آيات القرآنية والتعليمات الربانية التي أنزلها الله رب العالمين لمنع قتل العمد:
"وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ" (الإسراء، الآية: 33)
" مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا" (المائدة، الآية: 32).
" وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا" (النساء، الآية: 93).
لكن التعقيد الحقيقي يظهر في سياق الحروب: فالتاريخ الإنساني، منذ نشأته، لم يخلُ من صراعات مسلحة، وغالبًا ما جرى تبريرها تحت عناوين الدفاع أو الأمن أو حتى العدالة. غير أن هذه التبريرات، مهما بدت منطقية، لا تُلغي الحقيقة الأساسية: أن القتل، حتى في أكثر صوره "شرعية"، يظل فعلًا مأساويًا يعكس فشلًا جماعيًا للإنسانية في إيجاد بدائل.
اختلف الناس في تفسير هذه الظاهرة، لكنهم اتفقوا ضمنيًا على خطورتها، فهناك من يرى أن قتل الإنسان لا يمكن تبريره تحت أي ظرف، لأنه ينتهك كرامته بوصفه غاية في ذاته. وهناك من يقبل به بشروط صارمة، إذا كان وسيلة لمنع ضرر أكبر. وبين هذين الموقفين، تقف الإنسانية في منطقة رمادية، حيث لا توجد إجابات مريحة، بل خيارات صعبة.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح نفسه، بل في تطبيع استخدامه، فحين يصبح اللجوء إلى القوة أمرًا عاديًا، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية، يفقد المجتمع تدريجيًا حساسيته تجاه العنف، ويتحول الاستثناء إلى قاعدة. عندها، لا تعود المشكلة فيمن يحمل السلاح، بل في القوانين التي تبرر حمله، كما هو الحال المليشيات والعشائر في العراق وفي الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك لدى سكان المستوطنات في إسرائيل.

إن أخطر ما في السلاح ليس قدرته على القتل، بل قدرته على إقناع الإنسان بأن القتل حل.
وفي زمن تتزايد فيه النزاعات، وتتعقد فيه التوازنات الدولية، يصبح التحدي الأخلاقي أكبر من أي وقت مضى: كيف نحافظ على إنسانيتنا في عالم يزداد تسلحًا؟
الجواب لا يكمن في نزع السلاح فقط، بل في إعادة بناء القيم التي تجعل استخدامه آخر الخيارات، لا أولها. فالمجتمعات التي تحترم الحياة لا تُقاس بقدرتها على القتال، بل بقدرتها على تجنب القتال.

كلمة أخيرة:
إن حماية الأمن العام تقتضي من الحكومات تبنّي سياسة حازمة تقوم على تجريم حمل السلاح من قبل المدنيين الذين لا ينتمون إلى الجيش أو القوات الأمنية، دون استثناءات تُفرغ القانون من مضمونه.
فاحتكار الدولة للقوة ليس خيارًا سياسيًا، بل هو أساس سيادة القانون واستقرار المجتمع. وأي تساهل في هذا المجال يؤدي إلى انتشار العنف، وتقويض هيبة الدولة، وتحويل النزاعات الفردية إلى تهديدات أمنية عامة.
وعليه، ينبغي على الحكومات:
• سنّ تشريعات واضحة وصارمة تجرّم حيازة السلاح خارج الإطار الرسمي، ومن ضمنهم العشائر.
• فرض رقابة فعالة على مصادر السلاح ومنع تداوله غير المشروع.
• تطبيق القانون دون تمييز، وتجريم أي غطاء اجتماعي أو سياسي لحمل السلاح.
• تعزيز الثقة بالمؤسسات الأمنية لضمان أن يكون الأمن مسؤولية الدولة وحدها.
إن الأمن لا يتحقق بتعدد السلاح، بل بانضباطه تحت سلطة القانون، وكل تهاون في ذلك هو تهديد مباشر لحياة المواطنين واستقرار الدولة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تفاصيل اعتقال خلية داعش المسؤولة عن تفجيرات دمشق الأخيرة


.. تقرير لهيومن رايتس ووتش.. -اللاجئون السودانيون في مصر يتعرضو




.. الخارجية الإيرانية: الاعتداءات الأمريكية انتهاك صارخ لميثاق


.. أخبار الصباح | -سقوطُ الحصانة-.. اعتقال الفضلي بتهمِ فسادٍ ق




.. الضفة الغربية.. أرقام بشأن الطلبة المعتقلين تزامنا مع امتحان