الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
محمود الصباغ
كاتب ومترجم
(Mahmoud Al Sabbagh)
2026 / 4 / 12
القضية الفلسطينية
-الهولوكوست وتحولات المعيار الأخلاقي بعد السابع من تشرين
تجاوز استدعاء الهولوكوست، في أعقاب السابع من تشرين الأول، مكانته بوصفه مأساة إنسانية كونية تُذكّر بحدود العنف وإمكاناته القصوى؛ ليندمج خطابه في صلب دعاية سياسية وظيفية، فتبدّل موقعه في اللغة، وتحول إلى أداة تضبط النقاش، وتعيد توزيع المواقع: من يتكلم من المركز، ومن يُدفع إلى الهامش، من يحتكر التعاطف، ومن يرمى إلى الحافة. وفي هذا التحول، تنزاح الذاكرة عن وظيفتها المفتوحة، لتغدو نصاً مغلقاً جرى تعيين معناه مسبقاً.
لم يعد الهولوكوست مرجعاً أخلاقياً عاماً، بل معياراً سلبياً لقياس الصراعات الأخرى. فكل مقاومة تُقارن به تنزلق إلى موقع الاتهام أو المبالغة أو اللاأخلاقية. كأن المقارنة تعمل كآلية صمت تفرض حدوداً غير مرئية على ما يمكن قوله أو التفكير فيه. ويُعاد تأطير الحدث ليؤدي وظيفة سياسية آنية تتمثل في إضعاف الحجّة الأخلاقية للمقاومة الفلسطينية، وإن طرحت ضمن أفق تحرري واضح.
يخلف هذا الاستخدام المكثف للذاكرة ارتدادات عكسية. فكلما جرى توظيف الهولوكوست بهذه الكثافة، برزت محاولات لفك ارتباطه بسردية "الدولة" الإسرائيلية. ويظهر فاعلون، من داخل التجربة اليهودية ذاتها، يعيدون قراءته خارج أفق التبرير السياسي، ويستعيدونه كتحذير أخلاقي. عند هذه النقطة، يجري إعادة تعريف الصراع على أنه مشروع استعماري استيطاني في مواجهة شعب واقع تحت هذا الاستعمار.
يتضح، ضمن هذا الإطار، استمرار مشروع الاستعمار الاستيطاني في فلسطين متجاوزاً إقامة الدولة، لكونه بنية إنتاج مستمر تعيد تشكيل ذاتها عبر التعليم، والقضاء، والأرشفة، والذاكرة الجمعية. وتتبدى "يهودية الدولة" في قلب هذه البنية، كجوهر إيديولوجي يمنح المشروع منطقه الداخلي، ويحوّل الإقصاء والمحو إلى ضرورة وإجراء قابل للتبرير.
صاغ جابوتنسكي مبكراً منطق "الجدار الحديدي"، فجعل من القوة شرطاً لفرض واقع لا يملك السكان الأصليون القدرة على كسره. بما ينتج واقعاً مغلقاً يعيد إنتاج نفسه، ويدفع الآخر إلى التآكل التدريجي، حتى يفقد شروط استعادة وجوده المادي*.
وعلى المستوى الوجودي، يتكشف توتر داخل المجتمع الإسرائيلي بين منظومة قيم أخلاقية مُعلنة، ومنظومة معرفية وعلمية تفتح الأسئلة المقلقة حول السرديات المؤسسة. ويدار هذا التوتر ليظهر على هيئة صورة قلق دائم إزاء التاريخ والآثار، كلما اقتربت من تفكيك الحكاية المقدسة التي قامت عليها الهُوية الصهيونية.
تأسست إسرائيل على فكرة العودة إلى "أرض الميعاد"، بوصفها استعادة لتاريخ مفقود، وحق في تقرير المصير. لكن هذا التأسيس، حين يصطدم بالواقع الفلسطيني، يتحول إلى سؤال مفتوح: من يملك الأرض؟ وكيف يمكن تعريف العلاقة مع الآخر الذي لم يختفِ؟
هنا يتبدل الصراع من سردية عودة إلى معضلة وجود. ويتكشف، في أحد مستوياته العميقة، كصراع على المعنى بقدر ما هو صراع على الأرض. فمن يملك سلطة تعريف المأساة، يملك توجيه التعاطف، ورسم الحدود بين الضحية والفاعل. والسابع من تشرين لم يُنشئ هذا المنطق، لكنه كشفه بحدّة، ودفعه إلى السطح حيث يمكن مساءلته وتفكيكه.
في هذا السياق، يمكن فهم المقاومة الفلسطينية كفعل يعيد إنتاج المعنى في مواجهة بنية تسعى إلى مصادرته. ويظهر العنف كأثر بنيوي لواقع استعماري يستحيل فصله عن شروطه. لذلك، لا تمتد المقاومة نفسها من هدف التحرر المادي، إلى استعادة الصوت، وإعادة كتابة الذات خارج اللغة التي فُرضت عليها.
تتحرك المقاومة على مستويين متداخلين: كسر القيد المادي، وتفكيك القيد الرمزي. لتواجه السيطرة على الأرض والذاكرة، وتتصدى لاحتكار تعريف الفعل ذاته: من "المقاوم"؟، ومن "العنيف"؟، ومن يملك حق التسمية!. هنا يصبح الفعل المقاوم إنتاجاً لخطاب مضاد، يفتح مساحة لظهور الفلسطيني كفاعل تاريخي، إلى جانب كونه موضوعاً داخل سردية الآخر.
يلتقي المساران عند هذه النقطة، أي الصراع على الأرض والصراع على المعنى. نكسر المقاومة حدود الكلام المفروضة عبر المواجهة المادية وإعادة تعريف الذات خارج القوالب الجاهزة. في مقابل توظيف الهولوكوست لضبط تلك الجدود
تدمج المقاومة، إذن، بين الفعل والكشف؛ لتفضح بنية الهيمنة بصورتها المتطرفة، والذات المستعمَرة حين تستعيد قدرتها على تسمية العالم من جديد.
.............
*يقوم منطق “الجدار الحديدي” عند جابوتنسكي على فرضية خضوع السكان الأصليين بالمشروع الصهيوني تحت ضغط تفوق عسكري وسياسي حاسم. ليصبح الوجود مشروطاً بإدامة ميزان قوة مختل، متخطياً إنتاج أي تسوية تاريخية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حرارة قياسية تضرب المغرب العربي: ما التداعيات وكيف يمكن مواج
.. دخان حرائق كندا يخنق مدن الشمال الشرقي الأمريكي ويثير تحذيرا
.. ما الذي يفسر الغضب الشعبي في أوكرانيا من قرار زيلينسكي بإقال
.. بعد زلزالي فنزويلا.. العائلات تنبش الأنقاض بأيد عارية بحثا ع
.. بين ضغوط أميركا وإسرائيل وتحركات سوريا والعراق.. إلى أين يتج