الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
طارق النعمان في قراءة ديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي: صرامة النقد حين يلامس جوهر الكارثة
إسماعيل نوري الربيعي
2026 / 4 / 14الادب والفن
تنهض قراءة الأستاذ الدكتور طارق النعمان لديوان حرب تتعرّى أمام نافذتي للشاعرة باهرة عبد اللطيف بوصفها واحدة من أبرع المقاربات النقدية العربية التي استطاعت أن تمنح النص الشعري حقّه الجمالي والمعرفي والأنطولوجي في آن واحد. وما يلفت في هذا البحث، منذ سطوره الأولى، أنه لا يتعامل مع الديوان بوصفه مادة قابلة للشرح المدرسي أو التلخيص الانطباعي، بل بوصفه بنية شعرية معقّدة، ذات طبقات متعددة من الاشتغال الدلالي والأسلوبي والرمزي، الأمر الذي يكشف عن ناقد يمتلك حساسية عالية تجاه النص، مقرونة بصرامة أكاديمية راسخة، وخبرة منهجية تجعله قادرًا على تفكيك أكثر المناطق استعصاء في الكتابة الشعرية الحديثة. لقد أدرك الأستاذ الدكتور طارق النعمان منذ البداية أن هذا الديوان ليس ديوانًا "عن الحرب" بالمعنى المألوف، وإنما هو ديوان "الحرب" نفسها، من حيث هي مبتدأ النص ومنتهاه، ومركزه التداولي والرمزي. هذه الملاحظة التأسيسية تكشف عن وعي نقدي نافذ؛ إذ يميّز بين حضور الحرب بوصفها موضوعًا جزئيًا في قصائد متفرقة، وبين حضورها بوصفها النسق الكلي الذي يحكم بنية الديوان كلها. ومن هنا جاءت قراءته متناسبة مع طبيعة النص، فلم يسقط عليه أدوات جاهزة، بل استولد من داخله منطقًا نقديًا يوازي منطقه الشعري.
تكمن براعة هذا البحث في قدرته على الجمع بين مرجعيات نقدية حديثة متباينة دون أن يفقد وحدته الداخلية. فمن خلال استثماره الرصين لأفق جيرار جينيت في تحليل العتبات النصية، نجح الباحث في تحويل عنوان الديوان إلى مختبر تأويلي كثيف، كشف من خلاله عن الطبيعة الاستعارية والمنظورية للعنوان. لم يكتفِ بوصف "الحرب" ثيمة مركزية، بل أبان كيف يتحول فعل "التعرّي" إلى جهاز أخلاقي وفضحي يجرّد الحرب من أقنعتها، وكيف تصبح "النافذة" وسيطًا إبصاريًا ومعرفيًا يحدد زاوية الرؤية ويؤطر علاقة الداخل بالخارج. هذه القراءة لا تدل فقط على إلمام نظري، بل على قدرة عالية في تطويع النظرية لخدمة النص لا لإخضاعه. والأهم من ذلك أن البحث يذهب إلى أبعد من حدود القراءة البنيوية التقليدية، حين يربط بين بنية العنوان والبنية الكلية للديوان، ليصل إلى استنتاج بالغ الأهمية، مفاده أن العنوان لا يقدّم موضوع النص فحسب، بل يقدّم آلية اشتغاله. وهذه من العلامات الفارقة في النقد الرفيع؛ أي الانتقال من وصف ما يقوله النص إلى فهم كيف يشتغل من الداخل.
في تحليله للإضاءات الثلاث، يبلغ البحث ذروة نضجه العلمي. لقد قدّم الدكتور طارق النعمان نموذجًا لما يمكن أن نسمّيه "النقد التحويلي"، أي النقد الذي يتتبع تحولات الأثر من مستوى إلى آخر: من الألم بوصفه بقايا حسية للحرب، إلى اللغة بوصفها معملًا لاستقطار المعنى، ثم إلى الذات بوصفها كيانًا يتماهى مع الكارثة. إن تتبعه الدقيق لسلسلة الأفعال في الإضاءة الأولى: "أهشّم، ألمّ، أعجن، أعصر، أستقطر" يكشف عن حس أسلوبي استثنائي، استطاع أن يرى في ندرة أدوات العطف ليس مجرد اقتصاد لغوي، بل معادلًا تركيبيًا للتوتر النفسي والانفجار الشعوري. إن هذا المستوى من القراءة يضعنا أمام ناقد لا يقرأ الكلمات، بل يقرأ الطاقة التي تحرّكها. فهو يلتقط من البنية النحوية ما يتجاوز النحو إلى علم نفس النص، ويرى في التكرار أثرًا من آثار الصدمة، وفي الضمائر المحذوفة والمكرورة نظامًا سبكيًا يضمن وحدة النص رغم تشظيه الظاهري. وهذه قدرة لا تتأتى إلا لناقد متمرّس يجمع بين البلاغة الحديثة والتحليل النفسي للنص. ومن أبرز وجوه التميز في هذا البحث أن صاحبه لم يكتفِ بالتحليل الأسلوبي، بل وسّع أفق القراءة إلى ما وراء الشعرية، حين قرأ الإضاءة الأولى بوصفها نصًا "ما وراء شعري"، يفكر في شروط إنتاج القصيدة ذاتها. هنا تتجلى قوة الباحث في رصد اللحظة التي يتحول فيها الألم من أثر جسدي ونفسي إلى أثر لغوي وتأويلي، بحيث يغدو معنى الحرب نفسه نتيجة عملية تحويل معقدة، لا معطى جاهزًا. هذا المستوى من الفهم يرقى بالبحث من قراءة وصفية إلى قراءة إبستمولوجية في شروط إنتاج المعنى.
كما يُحسب للبحث توظيفه العميق لمفاهيم الصدمة والتكرار القهري عند سيغموند فرويد، ثم انتقاله الذكي إلى أفق كتابة الكارثة عند موريس بلانشو. لقد استطاع الناقد أن يبرهن أن الإضاءات الثلاث لا تخضع لمنطق زمني خطي، بل لزمن الصدمة: زمن دائري، متشظٍّ، وكارثي. وهذا استنتاج نقدي بالغ العمق؛ لأنه يعيد تعريف العلاقة بين البنية النصية والزمن النفسي، ويجعل من ترتيب الإضاءات جزءًا من منطق الجرح لا من منطق الحكاية. أما قراءته لفكرة "قصف اللغة"، فهي من أكثر أجزاء البحث فرادة وابتكارًا. هنا يقدّم الدكتور طارق النعمان مساهمة نقدية حقيقية يمكن البناء عليها نظريًا. فالحرب، في تصوره، لا تقصف المدن والأجساد فقط، بل تقصف اللغة نفسها من الداخل، فتفقد الكلمات استقرارها المرجعي، ويتشظى التركيب، ويتضخم المعنى حتى يعجز عن الاحتواء. إن هذا التصور يفتح أفقًا نقديًا بالغ الحداثة، لأنه ينقل النقاش من تمثيل الحرب في اللغة إلى أثر الحرب على اللغة ذاتها. وحين يربط هذا المنطق بمفهوم التكرار والاختلاف لدى جيل دولوز، يصبح البحث أكثر إشراقًا من الناحية النظرية. فثبات كلمة "الحرب" وتحوّل أخبارها من شذرة إلى أخرى يكشفان عن بنية تكرارية تفاضلية تجعل كل تعريف جديد نفيًا ضمنيًا لكفاية ما سبقه. هذه ملاحظة نقدية دقيقة للغاية، لأنها ترى في التكرار أداة لتفكيك المعنى لا لتثبيته، وهو ما ينسجم تمامًا مع منطق الحرب بوصفها حدثًا يستعصي على القبض النهائي.
إن قيمة هذا البحث لا تكمن فقط في عمق أدواته، بل في أخلاقيته النقدية أيضًا. فالناقد لا يفرض سلطته على النص، بل ينصت إليه، يرافقه، يتورط فيه بالمعنى المعرفي الجميل للكلمة. ولذلك جاءت قراءته وفيّة لفرادة الديوان، منفتحة على احتمالاته، واعية بأن نصًا بهذا الثراء "يقتضي كتابًا كاملًا"، كما ألمح بحق. إننا بإزاء بحث يليق حقًا بالمستوى الأكاديمي الرفيع الذي يمثله الأستاذ الدكتور طارق النعمان، بحث يجمع بين فطنة القراءة، وصرامة المنهج، وأناقة اللغة النقدية، وسعة الأفق النظري. وهو، في تقديري، لا يشيد بديوان باهرة عبد اللطيف فحسب، بل يقدّم نموذجًا عربيًا متقدمًا لكيفية قراءة الشعر حين يكون الشعر نفسه منطقة كارثة، ومنطقة كشف، ومنطقة اختبار نهائي لقدرة اللغة والنقد معًا. إنها قراءة تستحق الإشادة لا لأنها "تشرح" النص، بل لأنها أعادت خلقه نقديًا، ورفعت الحوار مع الشعر إلى مرتبة العلم الرفيع والجمال الصارم.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بعد غياب عدة سنوات...سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس أما
.. في ذكرى رحيل بليغ حمدي.. رحلة «ساحر الألحان» من شبرا إلى كبا
.. تعمير - اعرف أكتر عن مدينة الفنون والثقافة الصرح الحضاري الك
.. جوائز عالمية لأفلام فلسطينية وثقت حرب غزة والسردية الوطنية
.. شوف الحب اللي بينهم.. كلمات شكر من أبطال فيلم ريد فلاج??لـ أ